علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

152

الصداقة والصديق

خطيب اللسان ، بعيد الغور ، خفيف الفور ، يمري من ثبج بحر « 1 » ، ويتلقى جميع أموره بصدر ونحر ، فما هنأني عيش ، ولا طاب لي شرب ، ولا فارقني وسواس حتى كان منه ما كان ، فقلت له : كيف استحالت الحال بعد توكّدها وتعهّدها ؟ قال : طلب من الحظوة عند ركن الدولة ما كنت أنا قد أفنيت شبابي ، وعمري ، وذخري له ، فلم تسمح نفسي أن أفرج له عنه ، ومنازل الأولياء عند الملوك محوطة بالغيرة الشّديدة ، والحميّة المشتعلة ، وليست الغيرة عليها إلّا فوق الغيرة على السّراري الحظيّات ، وبنات العمّ الموافقات ، وفوق غيرة الضّرّة من الضّرّة ، وإن الذي يعتري الرجال في هذه الأحوال أزيد من الذي يعتري النساء ، إلّا أن الرجال لا يتواصون بترك هذا الخلق ، ولا يغير بعضهم بعضا باستعماله ، فقلت له : أفكان يرتقي لو بقي إلى أكثر من الحجابة التي أنت مسلّم لها إليه ، وغير منازع له في شيء منها ؟ فقال : ما أسلم صدرك ، وأصدأ نصلك ، الرجل كان يحدّث نفسه بالوزارة ، ويوسوس إلى صاحبه بإثارة المال من الوجوه المجهولة ، أفكان يجوز لي أن أحلم بهذا في النوم ، ثم أتمتّع بالعيش باليقظة ؟ لا واللّه ! وبعد فأنا كما قال الشاعر : [ المقابلة بالمثل ] ولست مكلّفا أبدا صديقا * معاشرتي على خلق ممضّ ولا أن يستقيم على اعوجاجي * ويغفر بعض أحوالي لبعض ولكني له عبد مطيع * على علّاته أرضى وأغضي حرير حين يلمسني صديقي * حديد تحت ضرس رام عضي فإن باشرتني فإليك أمري * وإن باغضتني فإليك بغضي [ الفرار من الشر ] وكما قال الآخر :

--> ( 1 ) ج ق - بحذر . مري يمري الشيء : استخرجه ، والدم ونحوه : أرسله . والثبج من كل شيء : وسطه ومعظمه يقال : يركبون ثبج هذا البحر : أي معظمه .