علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

133

الصداقة والصديق

حتى نخطب إليه صداقته ، ونجتهد في الطاعة له ، والقبول منه ، قال : صديقي هو العقل ، وهو صديقكم أيضا ، ولو أطعتموه لسعدتم ورشدتم ، ونلتم مناكم في أولاكم وأخراكم ، فأما الصديق الذي هو إنسان مثلك فقلما تجده ، فإن وجدته لم يف لك بما يفي به العقل ، ولم يبلغ بك ما يبلغ بك العقل ، وربما أتعبك ، وربما حزبك « 1 » ، وربما أشقاك ، فاكبحوا « 2 » أعنّتكم عن الصديق الذي يكون من لحم ودم وعظم ، فإنه يغضب فيفرط ، ويرضى فيسرف ، ويحسن فيعدّد ، ويسيء فيحتج ، ويشكّك فيضلّ . [ وصية مؤثرة ] قال الشاعر : أخي لن تستفيد ، الدهر ، مثلي * شريكا في الحياة وفي الممات / أتتركني وأنت ترى مكاني * وتطلبني إذا حانت وفاتي فليس بنافعي طلب بثأري * وأخذك من بغاني بالترات « 3 » فإن أهملتني وطرحت حقّي * عليك فلا تغافل عن وصاتي بنيّ إذا هلكت فلا تضعهم * وصن عمّن يعاديني بناتي فلو كنت الأسير ولا تكنه * عزمت على حياتك لي حياتي [ علامة الإخاء ] قال عيسى بن مريم عليه السلام فيما حدثنا ابن الجمل الكاتب النّصراني « 4 » لتلامذته : علامتكم التي تعرفون بها أنّكم مني ؛ أن يودّ بعضكم بعضا .

--> ( 1 ) حزبه الأمر : أصابه واشتد عليه أو ضغطه فجأة . وفي الحديث الشريف : « كان إذا حزبه أمر صلّى » ، أي إذا نزل به مهم ، وأصابه غم . وفي حديث الدعاء : « اللّهمّ أنت عدّتي إن حزبت » . ( 2 ) م - من . كبح فلانا عن الحاجة : ردّه عنها . ( 3 ) ج ق - بغاتي . التّرات : وتره يتره وترا وترة : أصابه بثأر أو ظلم فيه . ( 4 ) ورد ذكره في الإمتاع والمؤانسة 1 / 66 .