علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
132
الصداقة والصديق
[ تعليق ابن كعب ] كان ابن كعب يقول : أنا أستجفي « 1 » هذا القائل ، ولم لا أرى لصديقي فوق ما يرى لي ؟ ولم لا أعتبده « 2 » بالإغضاء ، والإحسان ، والتفضّل ، والصّبر ؟ ولم لا أقارضه وأقايضه ؟ ولم أرى أني مغبون إذا كان الرّبح له ، ولم لا أظلم نفسي في مرضاته وإن وجب أن نتساوى أبدا في الفعل والقول ، ونتكايس « 3 » في الانقباض والانبساط ، ونتحافظ على اختلاس الحظ والنصيب ، فهل تركنا لأصحاب المذاب « 4 » والتطفيف « 5 » شيئا « 6 » من الدناءة إلّا وأخذنا به ، ورأيناه مرغوبا فيه ، تاللّه ! ما هذا من الصداقة في شيء ، وإنه إلى الخساسة والنّذالة أقرب . [ ود العاقل والجاهل ] وقال بعض العلماء : التمس ودّ الرجل العاقل في كل حين ، وودّ الرجل ذي النّكر في بعض الأحايين ، ولا تلتمس ودّ الرجل الجاهل في حين . [ صداقة العقل ] قيل لديوجانس : ألك صديق ؟ قال : نعم ، ولكني قليل الطاعة له ، قيل : لعله غير ناصح فلذلك أنت على ذاك قال : لا بل هو غاية في النّصح ، نهاية في الشفقة ، قيل : فلم أنت على دأبك هذا المذموم مع إقرارك بفضل صديقك ؟ قال : لأنّ جهلي طباع ، وعلمي مكسوب ، والطباع سابق ، والمكسوب تابع ، قيل : فدلّنا على صديقك هذا الناصح المشفق
--> ( 1 ) استجفى : عدّه جافيا ، والجافي : الكزّ الغليظ العشرة . ( 2 ) اعتبده واستعبده : اتخذه عبدا . ( 3 ) كأس يكيس كياسة : ظرف وفطن وسكن ضد حمق ، وكايسه مكايسة : غالبه في الكيس . ( 4 ) ذبّ : دفع عنه ومنع ، وذبّ فلان : اختلف فلم يستقم في مكان وأهل المذاب يروحون ويجيئون في السوق . ( 5 ) التطفيف : إنقاص الوزن من طفف المكيال : نقصه . ( 6 ) ج ق - نشأ .