علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

101

الصداقة والصديق

ولم يحفظوا الودّ الذي كان بيننا * ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا « 1 » [ الفرق بين الصداقة والعلاقة ] قلت فما الفرق بين الصداقة والعلاقة ؟ فقال « 2 » : الصداقة أذهب في مسالك العقل ، وأدخل في باب المروءة ، وأبعد من نوازي الشهوة ، وأنزه عن آثار الطبيعة ، وأشبه بذوي الشيب والكهولة ، وأرمى إلى حدود الرّشاد ، وآخذ بأهداب السّداد ، وأبعد من عوارض الغرارة « 3 » والحداثة . فأما العلاقة فهي من قبل العشق ، والمحبّة ، والكلف « 4 » ، والشّغف « 5 » ، والتّتيّم « 6 » ، والتّهيّم ، والهوى ، والصّبابة ، والتّدانف « 7 » ، والتّشاجي « 8 » . وهذه كلّها أمراض أو كالأمراض بشركة النفس الضعيفة ، والطبيعة القويّة ، وليس للعقل فيها ظلّ ، ولا شخص ، ولهذا تسرع هذه الأعراض إلى الشباب من الذّكران والإناث ، وتنال منهم ، وتملكهم ، وتحول « 9 » بينهم وبين أنوار العقول ، وأداء النفوس ، وفضائل الأخلاق ، وفوائد التجارب ، ولهذا وأشباهه يحتاجون إلى الزّواجر ، والمواعظ ، ليفيئوا إلى ما فقدوه من اعتدال المزاج ، والطريق الوسط . على أن العشق والمحبة وما يحويهما فيهما كلام من نحو آخر / . وأنشد أبو عبيدة « 10 » :

--> ( 1 ) أجمل في عمله : اعتدل ولم يفرط . ( 2 ) راجع المقابسات طبعة السندوبي ص 359 . ( 3 ) الغرارة : الغفلة وحداثة السن . ( 4 ) كلف به : أحبّه حبّا شديدا وأولع به فهو كلف . والكلف : الرجل العاشق . ( 5 ) الشغف : أقصى الحب ، والمشغوف هو المجنون حبّا . ( 6 ) تيّمه الحب : عبّده وذلّله . ( 7 ) دنف المريض : ثقل ودنا من الموت ، وكذلك العاشق . ( 8 ) شجاه الأمر : أحزنه ، وشجي الرجل يشجى شجا : حزن . ( 9 ) ج ق - تجول . ( 10 ) نسب هذان البيتان في عيون الأخبار 3 / 79 للرياشي بزيادة بيت آخر : إن كنت لا تصحب إلا فتى * مثلك لم تؤت بأمثالكا -