أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

58

شرح مقامات الحريري

غنى بها الممزوجة بالماء ، ثم قال : من بعد : كلتاهما حلب العصير ، يريد الخمر المحتلبة من العنب ، والماء المتحلب من السحاب ، المكنّى عنها بالمعصرات في قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً [ النبأ : 14 ] ، قال الشيخ الإمام الأجلّ الأوحد العالم أبو محمد أدام اللّه سعادته : فهذا ما فسره به عبيد اللّه بن الحسن . وقد بقي في الشعر ما يحتاج إلى كشف سرّه ، وتبيان نكته ، أما قوله : [ الكامل ] إن التي ناولتني فرددتها * قتلت قتلت . . . فإنه خاطب به السّاقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة ، لأنه يقال : قتلت الخمر إذا مزجتها ، فكأنه أراد أن يعلمه أنه قد فطن لما قد فعله ثم ما اقتنع منه بذلك حتى دعا عليه بالقتل في مقابلة المزج ، وقد أحسن كلّ الإحسان في تجنيس اللفظ ثم إنه عقّب الدعاء عليه بأن استعطى منه ما لم تقتل - يعني الصّرف - التي لم تمزج . وقوله : أرخاهما للمفصل ، يعني اللّسان ، وسمّي مفصلا بكسر الميم ، لأنه به يفصل بين الحق والباطل ، وليس فيما اعتمده عبيد اللّه بن الحسن من الإسماح وخفض الجناح ، ما يقذف في نزاهته أو يغض من نبله وبراعته . ويضارع هذه الحكاية في وطأة القضاة المتقشفين للمستفتين وتلاينهم في مواطن اللّين ، ما يحكى أن حامد بن العباس ، سأل عليّ بن عيسى في ديوان الوزارة عن داء الخمار ، وعن دوائه ، فأعرض عن كلامه ، وقال : ما أنا وهذا المسألة ! فخجل حامد منه ، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمرو ، فسأله عن ذلك فتنحنح القاضي لإصلاح صوته ، ثم قال : قال اللّه تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ المائدة : 41 ] ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « استعينوا على الصناعات بأهلها » « 1 » ، والأعشى هو المشهور في الجاهلية بهذه الصناعة ، قال : [ المتقارب ] وكأس شربت على لذّة * وأخرى تدويت منها بها « 2 » لكي يعلم النّاس أنّي امرؤ * أتيت المروءة من بابها ثم تلاه أبو نواس في الإسلام ، فقال : [ البسيط ] دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء * وداوني بالّتي كانت هي الدّاء « 3 »

--> ( 1 ) أخرجه بمعناه البخاري في الصلاة باب 64 . ( 2 ) البيتان في ديوان الأعشى ص 173 ، ويروى البيت الأول : وكأس شربت على لذة * دهاق ترنّح من ذاقها وهو بلا نسبة في أساس البلاغة ( رنح ) ، وتاج العروس ( رنح ) . ( 3 ) البيت في ديوان أبي نواس 1 / 21 ، وخزانة الأدب 11 / 434 ، والدرر اللوامع 4 / 142 ، ومغني اللبيب ص 150 ، وهمع الهوامع 2 / 29 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( شفع ) .