أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

57

شرح مقامات الحريري

وكان الأخطل خليعا ، فأثنى هنا على الممزوجة ، وقال في التي لم تمزج : [ الوافر ] وكأس مثل عين الديك صرف * تنسي الشاربين لها العقولا إذا شرب الفتى منها ثلاثا * بغير الماء حاول أن يطولا مشى قرشيّة لا شكّ فيها * وأرخى من مآزره الفضولا * * * وأصبح عبد الملك يوما في غداة باردة ، فأنشد هذه الأبيات ، ثم قال : كأن الأخطل الآن في حانوت خمار محلّل الإزار ، مستقبل الشمس ، ثم بعث من يطلبه بدمشق ، فوجده كما وصف . وقال له يوما : ألا تسلم فنفرض لك في الفيء ونعطيك عشرة آلاف درهم ؟ قال : فكيف بالخمر ؟ قال له عبد الملك : وما تصنع بها ، وإنّ أوّلها مرّ وآخرها سكر ! قال الأخطل : وفيما بين هاتين منزلة ما يسرّني لك بها . وقال حسان بن ثابت رضي اللّه عنه وقد أعطي كأس خمر ممزوجة : [ الكامل ] إنّ التي ناولتني فرددتها * قتلت - قتلت - فهاتها لم تقتل « 1 » كلتاهما حلب العصير فعاطني * بزجاجة أرخاهما للمفصل فدعا بالقتل على الذي أعطاها له ممزوجة . وذكر الحريري في الدّرة البيتين ، وقال في قوله : « أرخاهما » القياس : أشدّهما إرخاء للمفصل ، لأن أصل هذا الفعل أرخى ، فبناؤه ليس مقيسا كما قالوا : ما أحوجه إلى كذا فبنوا من حوج ، إن كان قياسه : ما أشدّ حاجته . ولهذين البيتين حكاية يحسن أن نعقبهما بروايتها ، ونضوع نشرهما بنشر ملحها ، وهي ما رواه أبو بكر محمد بن القاسم الأنباريّ عن أبيه ، قال : حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الربعيّ قال : حدثنا أحمد بن عبد الملك بن السماك السعديّ قال : حدّثنا أحمد بن ظبيان الحائز ، قال : اجتمع قوم على شراب لهم ، فغنّاهم مغنيهم بشعر حسان : « إن التي » البيتين ، فقال بعضهم : امرأتي طالق إن لم أسأل الليلة عبيد اللّه بن الحسن القاضي عن علّة هذا الشعر ، لم قال : « إن التي » ، فوحّد ، ثم قال : كلتاهما ، فثنّى ؟ فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه ، ومضوا يتخطّون القبائل ، حتى انتهوا إلى بني شقرة وعبيد اللّه بن الحسن يصلّي ، فلما فرغ من صلاته قالوا : قد جئناك في أمر قد دعتنا إليه ضرورة ، وشرحوا له خبرهم ، وسألوه الجواب ، فقال : [ الكامل ] * إنّ الّتي ناولتني فرددتها *

--> ( 1 ) البيتان في ديوان حسان بن ثابت ص 124 ، ولسان العرب ( قتل ) ، وأساس البلاغة ( قتل ) ، وتاج العروس ( قتل ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 407 ، ومقاييس اللغة 5 / 75 ، والمخصص 11 / 88 .