أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
50
شرح مقامات الحريري
واتركي العذل على من قاله * وانسبي جوري إلى حكم القضا ولهذا البيت حكاية أدبية ، قال الحسين ؛ كانت لي نوبة في دار الواثق ، فبينا أنا نائم ذات ليلة ، إذ جاءني خادم من خدّام الحرم ، فقال لي : إن أمير المؤمنين يدعوك ، فقلت له : وما الخبر ؟ قال : إنه كان نائما إلى جنب حظيّته فقام وهو يظنها قائمة ، فألم بجارية أخرى ، وعاد إلى فراشه ، فغضبت حظيته وتركته حتى نام ، ثم قامت ، ودخلت حجرتها فانتبه وهو يظنّها عنده ، فطلبها فلم يجدها ، فقال : من اختلس كريمتي ، ويحكم أين هي ! فأخبرناه أنّها قامت غضبى ومضت إلى حجرتها . فدعا بك ، قال : فمضيت مع الرّسول وروّيت أبياتا في طريقي ، فلما جئته خبّرني القصة ، وقال لي : قل في هذا شيئا ، ففكّرت هنيهة كأنّي أقول شعرا ، ثم أنشدته الأبيات : [ الرمل ] . غضت أن زرت أخرى غضبة * فلها العتبى علينا والرّضا يا فدتك النفس كانت هفوة * فاغفريها واصفحي عمّا مضى واتركي العذل على من قاله * وانسبي جوري إلى حكم القضا فلقد نبّهتني من رقدتي * وعلى قلبي كنيران الغضى فقال : أحسنت بحياتي ، أعدها عليّ يا حسين ، فأعدتها عليه حتى حفظها ، وأمر لي بخمسمائة درهم ، فقام ومضى إلى الجارية فأنشدها الأبيات فتراضيا ، فكان بعد إذا رآني تبسّم لموقع الأبيات ونجحها عند الجارية ، والإحالة على القضاء بالذّنب هو مذهب الجبرية فمن فعل منهم ذنبا قال : لا ذنب لي ، إنما قدّر عليّ ومذهب القدريّة خلافه : قال الشاعر في ردّه : [ الطويل ] إذا أذنبوا قالوا مقادير قدّرت * وما العار إلا ما تجرّ المقادر وقوله : غيّها ، أي فسادها . مستشرية : لاحية مصمّمة . واستشرى الشيء : انتشر ، واستشرى في أمره : لجّ فيه . [ وأد البنات ] والقتل الذي ذكره للبنات هو الوأد الذي كانت تفعله الجاهلية ، قال اللّه سبحانه وتعالى : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [ التكوير : 9 ] . والموءودة : التي تدفن حيّة ، فتنقل بالتراب ، والوأد : القتل . وورد قيس بن عاصم المنقريّ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له : بعض الأنصار عن وأده البنات ، فقال قيس : ما ولدت لي بنت إلا وأدتها ، وما رحمت منهنّ إلا واحدة ولدتها أمها ، وأنا في سفر ، فدفعتها إلى أخوالها ، وقدمت فسألت عن الحمل ، فأخبرت أنها ولدت ميتا . ومضت سنون ، حتى ترعرعت ، فزارت أمها ذات يوم ، فدخلت فرأيتها قد ضفرت شعرها ، وجعلت في قرونها شيئا من الخلوق ، ونظّمت عليها ودعا ، وألبستها