أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
51
شرح مقامات الحريري
قلادة ، وجعلت في عنقها مخنقة ، فقلت : من هذه الصبيّة فقد أعجبني حسنها ؟ فبكت ثم قالت : هذه ابنتك ، كنت خبّرتك أنّي ولدت ميتا ، وهذه التي ولدت ، فجعلتها عند خالها ، وبلغت لهذا المبلغ . فأمسكت عنها حتى اشتغلت أمها ، ثم أخرجتها يوما ، فحفرت حفرة فجعلتها فيها ، وهي تقول : يا أبت أتغطّيني بالتراب ! حتى وأريتها وانقطع صوتها ، فما رحمت واحدة منهنّ ممن وأدت غيرها ، فدمعت عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « إنّ من لا يرحم لا يرحم » « 1 » . وذكر أن قيسا وأد بيده بضع عشرة ابنة ، وكان السبب في وأد البنات أن المشمرج اليشكريّ أغار على قوم قيس ، فسبا نساء فيهنّ ابنته وابنة أخيه ، فدخل قيس إليهم فسألهم أن يهبوهما له ، فوجد المشمرج قد اصطفاهما لنفسه ، فسأله إياهما ، فقال : قد جعلت أمرهما إليهما ، فإن اختار تاك فخذهما ، فاختارتا المشمرج ، فانصرف فوأد كلّ ابنة له خوفا من الفضيحة ، فاقتدت به العرب في ذلك . قال الهيثم : إن الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة ، كان يستعمله واحد ويتركه عشرة ، فجاء الإسلام ، وقد قلّ إلا في تميم . وقيل : كان الوأد في تميم وقيس وبكر وهوازن وأسد ، لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » « 2 » ، فأجدبوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم ، ولهذا جاء تحريم الدم ، وهذا خبر بيّن أنّ الوأد كان للحاجة لا للأنفة ، وبه نزل القرآن ، قال اللّه تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] ، وقال : وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ [ الممتحنة : 12 ] . ومن ذكر أنه كان أنفة وأنه كان في تميم ، ومن جاورهم فيحتج بحديث أبي عبيدة ، أن تميما منعت النعمان الإتاوة ، فوجّه إليهم أخاه الريان ، وجل من معه من بكر بن وائل ، فاستاق النّعم وسبى الذّراري . وفي ذلك يقول المشمرج اليشكريّ : [ البسيط ] لمّا رأوا راية النعمان مقبلة * قالوا ألا ليت أدنى دارنا عدن يا ليت أمّ تميم لم تكن عرفت * مرّا وكانت كمن أودى به الزّمن وقال النعمان في جوابه : [ البسيط ] للّه بكر غداة الرّوع لو بهم * يرمى ذرا حضن زالت بهم حضن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 18 ، 27 ، ومسلم في الفضائل حديث 65 ، وأبو داود في الأدب باب 145 ، والترمذي في البر باب 12 ، وأحمد في المسند 2 / 228 ، 241 ، 269 ، 514 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 128 ، والاستقاء باب 2 ، والجهاد باب 98 ، والأنبياء باب 19 وتفسير سورة 3 باب 9 ، وسورة 4 باب 21 ، والأدب باب 110 ، والإكراه في المقدمة ، ومسلم في المساجد حديث 294 ، 295 ، وأبو داود في الصلاة باب 216 ، والوتر باب 10 ، والنسائي في التطبيق باب 27 ، وابن ماجة في الإقامة باب 145 ، وأحمد في المسند 2 / 239 ، 255 ، 271 ، 418 ، 470 ، 502 ، 521 .