أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

471

شرح مقامات الحريري

كتفا ، أو يخصف نعلا ، فتهاونوا بحديثها ، حتى صبّحهم حسان فاجتاحهم فأخذت الزّرقاء ، فشق عيناها فإذا فيها عروق سود من الإثمد ، وكانت أول من اكتحل به ، وهرب الأسود ، فنزل بطيّئ ، فنسله فيهم ، وتسمى زرقاء اليمامة ، واسم البلد جوّ ، فلما صلبت على بابها ، سمّيت اليمامة ، وقيل اليمامة اسم البلد ، واسم الزرقاء عنز ، وقيل إن حسّانا لم يصلبها ، ولكن حملها في السّبي ، وقالت عندما قرّب لها البعير لتركبه ، ولم تكن اعتادت ركوبه : [ الخفيف ] شرّ يوميها وأغواه لها * ركبت عنز بحدج جملا وقيل إن عنزا هي أخت الزرقاء ، وقال الشاعر : [ البسيط ] ما نظرت ذات أجفان كنظرتها * حقا كما صدع الدّين الّذي صدعا قالت أرى رجلا في كفّه كتف * أو يخصف النّعل لهفي أية صنعا فكذّبوها فوافتها على عجل * أقيال حمير تزجي الموت والشّرعا فاستنزلوا أهل جوّ من معاقلهم * وهدّموا شامخ البنيان فاتّضعا * * * فسألتهم إيضاح ما قالوا ، وأن يكيلوا لي بما اكتالوا ، فحكوا أنّهم ألمّوا بسروح ، بعد أن فارقها العلوج ، فرأوا أبا زيدها المعروف ، قد لبس الصّوف ، وأمّ الصّفوف وصار بها الزّاهد الموصوف ، فقلت : أتعنون ذا المقامات . فقالوا : إنّه الآن ذو الكرامات ، فحفزني إليه النّزاع ، ورأيتها فرصة لا تضاع ، فارتحلت رحلة المعدّ ، وسرت نحوه سير المجدّ ، حتى حللت بمسجده ، وقرارة متعبّده ، فإذا هو قد نبذ صحبة أصحابه ، وانتصب في محرابه ، وهو ذو عباءة مخلولة ، وشملة موصولة ؛ فهبته مهابة من ولج على الأسود ، وألفيته ممّن سيماهم في وجوههم من أثر السّجود . ولما فرغ من سبحته ، حيّاني بمسبّحته ، من غير أن نغم بحديث ، ولا استخبر عن قديم ولا حديث ، ثمّ أقبل على أوراده ، وتركني أعجب من اجتهاده ، وأغبط من يهدي اللّه من عباده ، ولم يزل في قنوت وخشوع ، وسجود وركوع ، وإخبات وخضوع ، إلى أن أكمل إقامة الخمس ، وصار اليوم أمس ، فحينئذ انكفأ بي إلى بيته ، وأسهمني في قرصه وزيته ، ثم نهض إلى مصلّاه ، وتخلّى بمناجاة مولاه ؛ حتى إذا التمع الفجر ، وحقّ للمجتهد الأجر ، عقّب تهجّده بالتسبيح ، ثم اضطجع ضجعة المستريح ، وجعل يرجّع بصوت فصيح . * * *