أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
457
شرح مقامات الحريري
المقامة الخمسون وهي البصرية حكى الحارث بن همام قال : أشعرت في بعض الأيام همّا برّح به استعاره ، ولاح عليّ شعاره ، وكنت سمعت أن غشيان مجالس الذّكر ، يسرو غواشي الفكر ، فلم أر لإطفاء ما بي من الجمرة ، إلّا قصد الجامع بالبصرة ، وكان إذ ذاك مأهول المساند ، مشفوه الموارد ، يجتنى من رياضه أزاهير الكلام ، ويسمع في أرجائه صرير الأقلام ، فانطلقت إليه غير وان ، ولا لاو على شان ، فلمّا وطئت حصاه ، واستشرفت أقصاه ، تراءى لي ذو أطمار بالية ، فوق صخرة عالية ، وقد عصبت به عصب لا يحصى عديدهم ، ولا ينادى وليدهم ، فابتدرت قصده ، وتورّدت ورده ، ورجوت أن أجد شفائي عنده ، فلم أزل أتنقّل في المراكز ، وأغضي للاكز والواكز ، إلى أن جلست تجاهه ، بحيث أمنت اشتباهه ، فإذا هو شيخنا السّروجيّ لا ريب فيه ، ولا لبس يخفيه ، فانسرى بمرآه همّي ، وارفضّت كتيبة غمّي . * * * أشعرت : ألبست . برّح : شق واشتدّ . استعاره : توقّده في القلب . لاح : ظهر ، يريد أنه لبس الهمّ كالشّعار . والشّعار : ثوب يلي الجسد ، والشّعار علامة القوم في الحرب ، فمعناه عبس وجهه من شدة الهم . يسرو : يزيل . غواشي الفكر : ما يغشاه ويدخل عليه من الهمّ . مأهول : كثير الأهل . المساند : جمع مسند ، وهو ما يسند إليه ظهره ، أراد مواضع العلماء المتصدّرين للإقراء . والموارد : مواضع المياه . مشفوه : كثيرة الشفاه عليه للشّرب ، وأراد ازدحام الطلبة على الأشياخ لأخذ العلم . أزاهير : أنوار . أرجائه : نواحيه . صرير : أصوات . وان : مقصّر . لاو على شان : معرّج على أمر . استشرفت أقصاه : اطّلعت بنظري عليه كله . تراءى : ظهر . أطمار : ثياب خلقة . عصبت : أحدقت وحلّقت . عصب : جماعات . لا ينادى وليدهم ، هذا مثل يستعمل في الأمر المعجب المبالغ في وصفه المعجب منه ، وقد يؤوّل على تأويلات ، وهو يستعمل في الخير والشر . والرخاوة والشدة . ابتدرت قصده ، أي عجلت المشي إلى جهته . توردت ورده ، أي طلبت منفعته . والمراكز : مواضع الجلوس ، ومركز الرجل : موضعه ، وركزت الشيء غرسته . أغضي :