أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
424
شرح مقامات الحريري
بها ما شئت من دين ودنيا * وجيران تنافوا في المعاني فمشغوف بآيات المثاني * ومفتون برنّات المثاني ومضطلع بتلخيص المعاني * ومطّلع إلى تلخيص عاني وكم من قارئ فيها وقار * أضرّا بالجفون وبالجفان وكم من معلم للعلم فيها * وناد للنّدى حلو المجاني ومغنى لا تزال تغن فيه * أغاريد الغواني والأغاني فصل إن شئت فيها تصل * وإمّا شئت فادن من الدّنان ودونك صحبة الأكياس فيها * أو الكاسات منطلق العنان * * * تنافوا : تباعدوا . مشغوف : مولع شديد الحبّ . المثاني : أمّ القرآن ، وقيل السّبع الطوال من أوّل القرآن . ورنّات : أصوات . المثاني : أوتار عود الغناء . مضطلع : قويّ التلخيص : تهذيب الشيء وتخليص فوائده ، وكأنه مقلوب التّخليص . وتخليص عان : افتكاك أسير . قارئ : عابد مكثر لقراءة القرآن ، قار : مطعم للضيف . الجفون : العيون . الجفان : صحاف الطّعام ، يريد أن هذا أضرّ بجفونه بكثرة النّظر في الورق قارئا ما فيها وهذا بجفانه لإطعام ما فيها . مغنى : منزل . تغنّ : تصوّت . أغاريد : أصوات . الغواني : جمع غانية ، وهي المرأة الجميلة . الأغاني : جمع أغنية ، وهي ما يتغنّى به . الدّنان : خوابي الخمر . دونك ، أي الزم . الأكياس : أهل الفطنة والتدبير . منطلق العنان : مسيب مسرّح . * * * قال : فبينما أنا أنفض طرقها ، وأستشفّ رونقها ؛ إذ لمحت عند دلوك براح ، وإظلال الرّواح ، مسجدا مشتهرا بطرائفه ، مزدهرا بطوائفه ، وقد أجرى أهله ذكر حروف البدل ، وجروا في حلبة الجدل ، فعجت نحوهم ، لأستمطر نوءهم ، لا لأقتبس نحوهم ، فلم يك إلّا كقبسه العجلان ، حتّى ارتفعت الأصوات بالأذان ، ثم ردف التأذين بروز الإمام ، فأغمدت ظبي الكلام ، وحلّت الحبى للقيام ، وشغلنا بالقنوت ، عن استمداد القوت ، وبالسّجود ، عن استنزال الجود ولمّا قضي الفرض ، وكاد الجمع ينفضّ ، انبرى من الجماعة ، كهل حلو البراعة ، له مع السّمت الحسن ، ذلاقة اللّسن ، وفصاحة الحسن . وقال : يا جيرتي ، الذين اصطفيتهم على أغصان شجرتي ، وجعلت خطّتهم دار هجرتي ، واتّخذتهم كرشي وعيبتي ،