أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

421

شرح مقامات الحريري

وأمّا ذات النّحيين فهي امرأة من تيم اللّه بن ثعلبة ، حضرت سوق عكاظ ومعها نحيا سمن ، فاستخلى بها خوّات بن جبير الأنصاري ليبتاعهما منها ، ففتح أحدهما وذاقه ودفعه إليها ، فأخذته بإحدى يديها ، ثم فتح الآخر وذاقه ودفعه إليها ، فأمسكته بيدها الأخرى ثم غشيها ، وهي لا تقدر على الدّفع عن نفسها لحفظها فم النّحيين وشحّها على السمن . فلما قام عنها قالت له : لا هنأك ، فضرب بها المثل فيمن شغل ، وهي في هذا المثل مفعولة ، لأنها شغلت . وأكثر الأفعال التي على أفعل تأتي من فعل الفاعل . وأما قوله : أنف في السّماء واست في الماء ، فيضرب هذا المثل لمن يكبر مقالا ، ويصغر فعالا . وأما قوله : أفرغ من حجّام ساباط ، فذكر أنّه كان حجّاما ملازما ساباط المدائن يحجم الجنديّ بدانق نسيئة ، وربّما مرّت عليه برهة لا يقربه فيها أحد فكان يبرز أمّه عند تمادي عطلته ، فيحجمها لكيلا يقرّع بالبطالة ، فما زال يحجمها حتى نزف دمها وماتت . وأما قوله : يشكو إلى غير مصمت ، فهو مثل يضرب لمن لا يكترث بشأن صاحبه ، ولا يعبأ باستمرار شكايته ، لأنه لو أشكاه لصمت . وأمسك عن الكلام ، ومنه قول الراجز يخاطب جملا له : [ الرجز ] إنّك لا تشكو إلى مصمّت « 1 » * فاصبر على الحمل الثقيل أو مت ونحو هذا المثل : هان على الأملس ما لاقى الدّبر . وأمّا قوله : شغلت شعابي جدواي ، فالمراد به أنه ليس يفضل عنّي ما أصرفه إلى غيري . والشّعاب : هي النّواحي ، واحدها شعب . وقوله : كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع ، معناه أن المجهود يقنع بما يجد ، والواقع أن تصيب الحجارة القدم فتوهنها . فأما البعير الموقّع فهو الذي يكثر آثار الدبر بظهره .

--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( صمت ) ، وأساس البلاغة ( صمت ) ، تاج العروس ( صمت ) ، وجمهرة اللغة ص 400 .