أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
422
شرح مقامات الحريري
المقامة الثامنة والأربعون وتعرف بالحراميّة روى الحارث بن همام عن أبي زيد السّروجيّ قال : ما زلت مذ رحلت عنسي ، وارتحلت عن عرسي وغرسي ، أحنّ إلى عيان البصرة ، حنين المظلوم إلى النّصرة ، لما أجمع عليه أرباب الدّراية ، وأصحاب الرّواية ؛ من خصائص معالمها ، وعلمائها ، ومآثر مشاهدها وشهدائها ، وأسأل اللّه أن يوطئني ثراها ، لأفوز بمراها ، وأن يمطيني قراها ، لأفتري قراها . فلمّا أحلّنيها الحظّ ، وسرح لي فيها اللّحظ ، رأيت بها ما يملأ العين قرّة ، ويسلي عن الأوطان كلّ غريب ، فغلّست في بعض الأيام ، حين نصل خضاب الظّلام ، وهتف أبو المنذر بالنّوّام لأخطو في خططها ، وأقضي الوطر من توسّطها ، فأدّاني الاختراق في مسالكها ، والانصلات في سككها ، إلى محلّة موسومة بالاحترام ، منسوبة إلى بني حرام ، ذات مساجد مشهودة ، وحياض مورودة ، ومبان وثيقة ، ومغان أنيقة ، وخصائص أثيرة ، ومزايا كثيرة . * * * رحلت ، أي شددت عليها الرّحل ، والرّحل : سرج النّاقة ، والعنس : الناقة القوية ، شبّهت بالعنس وهي الصّخرة لصلابتها ، قال الليث : إذا تمّ سنّ الناقة ، واشتدّت قوّتها وصلبت عظامها وأعضاؤها فهي عنس . عرسي : زوجتي غرسي : أولادي . أحنّ : اشتاق . عيان : معاينة ومشاهدة . خصائص : ما يختصّ به من الفضائل . معالمها : مواضعها المشهورة . والمآثر : الفضائل والمكارم ، والمأثرة : الفضيلة يخصّ بها . مشاهدها : مواضع اجتماع أهلها يوطئني ثراها : يجعلني أطؤها وأمشي عليها ، وأوطأه الشيء : أمكنه من أن يطأه . الثرى : التّراب النديّ . ومرآها : منظرها . يمطيني قراها : يركبني ظهرها . اقتري : أتتبّع . أحلّنيها : أنزلنيها . الحظّ : السعد . اللّحظ : العين قرة : سرور . يسلي : يشغل . غلّست : خرجت في الغلس ، وهي ظلمة آخر الليل . نصل : زال . هتف : صاح . أبو المنذر : كنية الديك ، ويكنى أبا سليمان . أبو هريرة : إنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تسبّوا الديك فإنّه يوقظ للصلاة » .