أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
400
شرح مقامات الحريري
فغنّته ، فقال : أظنّهما تهاميّين ، فقال للأخرى : يا سيدتي أين المستراح ؟ فقالت لصاحبتها : ما يقول لك ؟ قالت : يسألك أن تغنّيه : [ الكامل ] ترك الفكاهة والمزاحا * وقلّى الصّبابة فاستراحا فغنّته ، والمولى يسمع ، فلما كربه الأمر أنشأ يقول : [ الوافر ] تكنّفني الملاح وأضجروني * على ما بي بتكرير الأغاني فلمّا ضاق عن ذاك اصطباري * ذرفت به على وجه الزواني ثم حلّ سراويله ، وسلح عليهما ، فتركهما آية للناظرين . وانتبه مولاهما ، فلمّا رأى ما نزل بهما ، قال له : يا أخي ما حملك على هذا ؟ قال له : يا بن الزانية ، لك جوار يرين المخرج صراطا مستقيما فلا يدللنني عليه ، فلم يكن لهنّ جزاء عندي غير هذا ، ثم رحل عنه . فيقول أبو محمد : لا بأس للإنسان أن يأتي المواضع الخسيسة عند الضرورة ، وأصل الكنيف الساتر . * * * فلمّا شهدت موسمه ، وشاهدت ميسمه ، رأيت شيخا هيئته نظيفة ، وحركته خفيفة . وعليه من النّظارة أطواق ، ومن الزّحام طباق ، وبين يديه فتى كالصّمصامة ، مستهدف للحجامة ، والشيخ يقول له : أراك قد أبرزت رأسك ، قبل أن تبرز قرطاسك ، وولّيتني قذالك ، ولم تقل : لي ذلك ، ولست ممّن يبيع نقدا بدين ، ولا يطلب أثرا بعد عين ، فإن أنت رضخت بالعين ، حجمت في الأخدعين . وإن كنت ترى الشّحّ أولى ، وخزن الفلس في النّفس أحلى ، فاقرأ عَبَسَ وَتَوَلَّى [ عبس : 1 ] ، واغرب عنّي وإلّا ؛ فقال الفتى : والّذي حرّم صوغ المين ؛ كما حرّم صيد الحرمين ؛ إني لأفلس من ابن يومين ، فثق بسيل تلعتي ، وأنظرني إلى سعتي . * * * موسمه : مجتمعه وسوقه . ميسمه : علامته . النظارة : الناس الناظرون أطواق : أي حلقة خلف حلقة ، قد استداروا حوله . والطّباق : الذي طوبق ، فجعل بعضه على بعض ، شبّه به ركوب بعض النّاس بعضا . [ الصمصامة ] والصّمصامة : سيف عمرو بن معد يكرب ، وكانت تقطع الحديد كما يقطع الحديد الخشب . وبعث ملك الهند إلى الرّشيد بسيوف قلعيّة ، وكلاب سلوقيّة ، وثياب هندية ،