أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
397
شرح مقامات الحريري
ترتيب وزير ، ويتحكم تحكم قدير ، ويتشبّه بذي ملك كبير ، إلّا أنه يخرف في أمد يسير ، ويتسم بحمق شهير ، ويتقلّب بعقل صغير ؛ ولا ينبّئك مثل خبير فقلت له : تاللّه إنّك لابن الأيام ، وعلم الأعلام ، والساحر اللاعب بالأفهام ، المذلّل له سبل الكلام . ثمّ لم أزل معتكفا بناديه ، ومغترفا من سيل واديه ، إلى أن غابت الأيام الغرّ ، ونابت الأحداث الغبر ، ففارقته ولعيني العبر . * * * قوله : أنجح ، أي أنفع وأسرع لقضاء الحاجة . أمرة مطاعة ، العرب تقول : لك عليّ أمرة مطاعة ، بفتح الألف ، أي أمرة أطيعك فيها ، وحكى الفرّاء كسرها على ضعف ، والفتح أفصح ، والأمرة بالفتح : المرة الواحدة من الأمر ، وبالكسر الإمارة والولاية ، مشاعة : فاشية . يتسيطر : يتسلط يخرف : يهرم . يتّسم : يجعل لنفسه سمة ، أي علامة الحمق . ومما قيل في المعلم وتفضيله على الوالد ، أنشد الماوردي : [ المنسرح ] يا فاخرا للسّفاه بالسّلف * وتاركا للعلاء والشرف آباء أجسادنا هم سبب * لأن جعلنا عوارض التلف من علّم الناس كان خير أب * ذاك أبو الروح لا أبو النّطف أخذه من قول الإسكندر ، وقيل له : ما بال تعظيمك لمعلمك أشدّ من تعظيمك لوالدك ؟ فقال : إن أبي سبب حياتي الفانية ، ومعلمي سبب حياتي الباقية . ولبعضهم : [ الكامل ] إنّ المعلم والطبيب كلاهما * لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه * واصبر لجهلك إن جفوت معلما جاء في الحديث « يجاء بالمعلم يوم القيامة ووجهه عظم لا لحم عليه » . قال عطاء : الذين يأخذون على القرآن أجرا . ابن الأيام : الخبير بها والبصير بحوادثها ، علم الأعلام : أشهر المشاهير ، الأفهام ، جمع فهم ، أراد اللّاعب بالأذهان والعقول . سبل : طرق . معتكفا بناديه : ملازما لمجلسه . مغترفا من سيل واديه : آخذا من بحر علمه . الغرّ : البيض الحسان نابت الأحداث الغبر : رجعت النوازل الشداد التي تغبّر الأرض من شدّة قحطها ، لعيني العبر ، أي سخنة الدمع لحزنه . واستعبر : بكى . واللّه تعالى أعلم .