أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
347
شرح مقامات الحريري
المقامة الخامسة والأربعون وهي الرّمليّة حكى الحارث بن همام قال : كنت أخذت عن أولي التّجاريب ، أن السّفر مرآة الأعاجيب ، فلم أزل أجوب كلّ تنوفة ، وأقتحم كلّ مخوفة ، حتى اجتلبت كلّ أطروفة : فمن أحسن ما لمحته ، وأغرب ما استملحته ، أن حضرت قاضي الرّملة ، وكان من أرباب الدّولة والصّولة ، وقد ترافع إليه بال في بال ، وذات جمال في أسمال ، فهمّ الشّيخ بالكلام ، وتبيان المرام ؛ فمنعته الفتاة من الإفصاح ، وخسأته عن النّباح ، ثمّ نضت عنها فضلة الوشاح ، وأنشدته بلسان السّليطة الوقاح . * * * أولي التجاريب ، أي أصحابها وأهلها . أجوب : أقطع ، تنوفة : قفرة . أقتحم : أدخل . اجتليت : رأيت . أطروفة : عجيبة . لمحته : نظرته . استملحته : وجدته مليحا . الصولة : الاستطالة . وقد صال إذا استطال وهدّد . ترافع ، أي تداعى للحكومة ، ورفع كلّ واحد صاحبه . بال : شيخ كبير . في بال : في ثوب خلق . وأسمال ، ثياب خلقة ، واحدها سمل ، وسمل الثوب وأسمل ، ويقال أيضا : ثوب أسمال ، فيوصف بالجمع ، كما يقال : رمح أقصاد ، وبرمة أعشار . تبيان المرام : تبيين مراده . وإظهار حجته . الإفصاح : التبيين . خسأته : أبعدته وطردته ، النّباح : الكلام هنا . وخسأ ونبح أصلهما في الكلب ، ويقال : خسأت الكلب خسئا : طردته وأبعدته ، وخسأ الكلب بنفسه ، أي انخسأ ، يتعدى ولا يتعدّى ، قال تعالى : اخْسَؤُا فِيها [ المؤمنون : 108 ] أي تباعدوا تباعد سخط . نضت : جردت . الوشاح : الحزام ، وهو المنطقة ، الفنجديهي : الوشاح شبه قلادة تنسج من أدم عريضة وترصّع بالجواهر وغيرها ، السّليطة : المستطيلة بلسانها ، الوقاح : التي ليس في وجهها حياء ، فهي تقول ما شاءت . [ السريع ] * * * يا قاضي الرّملة يا ذا الذي * في يده التّمرة والجمره إليك أشكو جور بعلي الّذي * لم يحجج البيت سوى مرّه وليته لمّا قضى نسكه * وخفّ ظهرا إذ رمى الجمره كان على رأي أبي يوسف * في صلة الحجّة بالعمرة