أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
298
شرح مقامات الحريري
وخرجت ، فما شعرت إلا برسل أم سلمة ، ومعهم عشرة آلاف درهم ، وتخت وبرذون وغلام ، فقبضتها . وفي هذا الحديث المليح تعلّق بما ذكر الحريريّ من مدح النّساء وذمهنّ ، وخالد بن صفوان لفصاحته أقدر الناس على مدح الشّيء وذمه ، وقد تقدّم في الثالثة هذا الفنّ . وقال أبو العباس السفاح لخالد وعنده أخواله الحارثيّون : كيف علمك بأخوالي يا خالد ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، هم هامة الشّرف وعرنين الكرم ، وغرس الجود ، وفيهم خصال ليست لغيرهم ، إنّهم لأصونهم أمّا ، وأحسنهم أمما ، وأكرمهم شيما ، وأطيبهم طعما ، وأوفاهم ذمما ، وأبعدهم همما ، الجمرة في الحرب ، والوقد عند الجدب ، وهم الرأس في كل خطب ، وغيرهم بمنزلة العجب . فقال : لقد وصفت يا بن صفوان فأحسنت ، فزاد أخواله في الفخر ، فغضب أبو العباس لأعمامه فقال : افخر يا خالد ، فقال : أعلى أخوال أمير المؤمنين ؟ قال : فأين أنت من أعمامه ! قال : كيف أفاخر قوما هم بين ناسج برد وسائس قرد ، ودابغ جلد ، دلّ عليهم هدهد ، وغرّقتهم فأرة ، وملكتهم امرأة ! . ودخل خالد على أبي الجهم العدويّ وهو يريد ركوب حمار ، فقال خالد : أما علمت أنّ العير عار ، وأنّ الحمار شنار ، منكر الصوت ، قبيح الفوت ، مترنّح في المحل ، مرتطم في الوحل ، ليس بركوبة فحل ، ولا مطية رحل ، راكبه مقرف ، ومسايره مشرف . فاستوحش العدويّ من ركوبه ، فركب فرسا وركب خالد الحمار ، فقال : ويحك يا خالد ! أتنهى عن شيء وتأتي مثله ! قال : أصلحك اللّه عير من بنات الكداد ، أسحم السربال ، مدمج الأوصال ، محملج القوائم ، يحمل الرّحلة ، ويبلغ العقبة ، ويمنعني من أن أكون جبّارا عنيدا ، أو ملكا شديدا ، فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ! ذلك لك ، وهذا لي . فتبسم العدويّ . [ مما قيل في وصف النساء ] ثم نرجع إلى جملة مقاطيع من أوصاف النساء تتبين بها أوصافهنّ ، قال العديل بن الفرخ : [ الكامل ] لعب النّسيم بهنّ في أظلاله * حتّى لبسن زمان عيش غافل يأخذن زينتهنّ أحسن ما يرى * وإذا عطّلن فهنّ غير عواطل وإذا أرين خدودهن أرينها * حدق المهى وأخذن سهم القاتل ورمينني لا يستترن بجنّة * إلّا الصّبا وعرفن أين مقاتلي وقال العباس بن طرخان : [ الطويل ] تقسّمن قلبا كان مجتمع الشّمل * وفرقنه بين المسالك والسّبل