أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

273

شرح مقامات الحريري

المقامة الثالثة والأربعون وهي البكريّة حكى الحارث بن همام قال : هفا بي البين المطوّح ، والسّير المبرّح ، إلى أرض يضلّ بها الخرّيت ، وتفرق فيها المصاليت ، فوجدت ما يجد الحائر الوحيد ، ورأيت ما كنت منه أحيد ؛ إلا أنّي ، شجّعت قلبي المزءود ، ونسأت نضوي المجهود ، وسرت سير الضّارب بقدحين ، المستسلم للحين ؛ ولم أزل بين وخد وذميل ، وإجازة ميل بعد ميل ؛ إلى أن كادت الشّمس تجب ، والضّياء يحتجب فارتعت لإظلال الظّلام ، واقتحام جيش حام ، ولم أدر أأكفت الذّيل وأرتبط ، أم أغتمد اللّيل وأختبط ! . * * * هفا ، أي طار وخفّ . المطوّح : المبعد المشفي على الهلاك ، وقد طوّحت الشيء ، إذا رميت به وألقيته إلقاء منكرا . المبرّح : الشاقّ المتعب ، وقد برّح الأمر ، إذا عظم واشتدّ . يضلّ : يتحيّر ويتلف . الخرّيت : الدليل ، وقيل : هو من خرت الإبرة كأنه من حسن دلالته يهتدي على مثال خرت الإبرة وهو ثقبها . تفرق : تفزع المصاليت : الشجعان الماضون في الحروب ، واحدهم مصلات ، قال الفرّاء : المنصلت : المسرع من كلّ شيء ، وجمعه مصالت ومصاليت . أحيد : أخاف وأميل عنه . المزءود : المفزّع ، وزئد الرجل : فزع نسأت : ضربت بالمنسأة ، وهي العصا . نضوي : بعيري . المجهود : المتعب قدحين : سهمين . [ قداح الميسر ] وكان الرجل في الجاهلية يمسك ثلاثة أقداح ، على أحدها مكتوب : « أمرني ربي » ، وعلى الثاني « نهاني ربي » ، والثالث غفل لا شيء عليه وهو المنيح ، فإذا أراد سفرا أو أمرا ضرب بها ، فإن خرج له « أمرني ربي » مضى آمنا ، وإن خرج له « نهاني ربي » ترك ذلك الأمر وإن خرج له غفل أعاد الضّرب . وقيل : كان يمسك قدحين مكتوب على أحدهما « افعل » وعلى الثاني « لا تفعل » ، فإن خرج « أفعل » مضى ، وإن خرج « لا تفعل » ترك .