أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

257

شرح مقامات الحريري

لو قيل للمجد حد عنهم وخلّهم * بما احتكمت من الدّنيا لما حادا إنّ المكارم أرواح يكون لها * آل المهلّب دون الناس أجسادا ولبعضهم : [ الوافر ] إذا كان المهلّب من ورائي * هدا ليلي وقرّ له فؤادي ولم أخش الدنيّة من أناس * ولو صالوا بقوّة قوم عاد وتوفّي المهلب بفنجديّة بصحراء راغول سنة ثلاث وثمانين ؛ فبعد أربعمائة وثلاثين من وفاته ، رأى بعض علماء فنج‌ديّه في المنام كأنّ المهلّب يقول : اللّه ، الحقني قبل أن يأخذني روذمرو - وهو نهر عظيم يعبر عليه بالسفن - وانقلني إلى بعض مقابر المسلمين ، وأنا مدفون على شاطئ هذا النهر الكبير في الموضع الفلاني ، وقد حفر الماء تحت قبري ، وقرب أن يأخذني ، فلما أصبح الرجل أخذ جماعة من أصحابه معهم المساحي والفئوس فمضوا إلى ذلك الموضع ، وحفروا حتى وصلوا إلى قالبه فكشفوا التراب عنه ، فكانت عظامه ما بليت بعد ، فدفنوه بمقبرة مذونة . قال الفنجديهي : وهي محلتنا ؛ وسمعت معنى هذه الحكاية من والدي رحمه اللّه . * * * فلمّا ألقيت الجران بنجران ، واصطفيت بها الخلّان والجيران ، اتخذت أنديتها معتمري ، وموسم فكاهتي وسمري ؛ فكنت أتعهّدها صباح مساء ، وأظهر فيها على ما سرّ وساء ؛ فبينما أنا في ناد محشود ، ومحفل مشهود ، إذ جثم لدينا همّ ، عليه هدم ؛ فحيّا تحيّة ملق ، بلسان ذلق ؛ ثم قال : يا بدور المحافل ، وبحور النّوافل ، قد بيّن الصّبح لذي عينين ، وناب العيان مناب عدلين ، فما ذا ترون ؟ فيما ترون أتحسنون العون ، أم تنأون إذ تدعون ! فقالوا : تاللّه لقد غظت ، ورمت أن تنبط فغضت . * * * قوله : بنجران : بلد من كور نجد ممّا يلي بلاد اليمن ، سمّيت بنجران بن زيد بن سبأ . اصطفيت : اخترت . الخلّان : الأصحاب . تخذت ، بمعنى اتّخذت . أنديتها : مجالسها ومجتمع أهلها . معتمري : موضع زيارتي ، واعتمرت الموضع : قصدته وزرته . موسم : عيد . فكاهتي : ممازحتي . سمري : حديثي بالليل . أتعهّدها : أتفقّدها صباح مساء : اسمان مركّبان جعلا كخمسة عشر ، وأراد يزورها في الصباح والمساء . ناد محشود : مجلس مجموع الأهل ، ومثله المحفل المشهود . جثم : برك . همّ : شيخ هرم ، قد أذهب الكبر قوّته ، ولحمه ، وتقول : هممت الشّحم : أذبته ، ومنه قولهم : هذا الأمر لا