أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
255
شرح مقامات الحريري
أبا خالد بادت خراسان بعدكم * وقال ذوو الحاجات أين يزيد ؟ فما سقي المروان بعدك قطرة * ولا اخضرّ بالمروين بعدك عود وما لسرير بعد ملكك بهجة * ولا لجواد بعد جودك جود فأعطاه المائة الألف . فبلغ ذلك الحجاج ، فدعا به ، وقال : يا مروزيّ ، أكل هذا الكرم وأنت بهذه الحالة ؟ قد وهبت لك عذاب اليوم وما بعده . ابن عبد الحكم : أخبرنا الشافعيّ قال : طعن يزيد بن المهلّب رجلا من الخوارج ، فصرعه فوثب الخارجيّ بالسيف ، وهو يقول : [ الطويل ] وإنّا لقوم لا نعوّد خيلنا * إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا وننكر يوم الروع ألوان خيلنا * من الدم حتى نحسب الورد أشقرا وليس بمعروف لنا أن نردّها * صحاحا ولا مستنكر أن تعقّرا قال يزيد : فكرهت أن أقتل مثله ، فانصرفت عنه . وقتل يزيد يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من صفر سنة اثنتين ومائة ، وهو ابن سبع وأربعين سنة . وقيل للمهلّب : بم نلت ما نلت ؟ قال : بطاعة الحزم ، وعصيان الهوى . وقيل لأبي إسحاق الهمدانيّ : لم رويت عن المهلّب ؟ قال : لأني لم أر أميرا أبين منه تقيّة ولا أشجع منه ، ولا أبعد ممّا يكره ، ولا أقرب ممّا يحبّ . ومرّ المهلّب بقوم فعظّموه وسوّدوه ، فقال رجل : ألهذا الأعور تسوّدون ! واللّه لو خرج إلى السوق ما زادت قيمته على ألفي درهم ، فسمعه المهلّب ، فقال لبعض من معه : أتعرف الرجل ؟ قال : نعم ، فلما انتهى إلى مجلسه أرسل إليه بألفي درهم . فقال له : لو زدتنا في القيمة لزدناك في العطيّة ، فخجل الرجل ، وعرف منزلته . وللمهلّب وبنيه وإخوته في حروب الأزارقة مشاهد ما شوهدت قطّ في جاهلية ولا إسلام . وقتل المهلّب وأولاده وإخوته ومن معه من الأزارقة في ليلة واحدة أربعة آلاف وثمانمائة ، وانهزم بقيّتهم مع قطريّ ، فنفاهم إلى أقاصي البلاد حتى قتل قطريّ ومن معه . وسئل المهلب عن ابنيه : أيّهما أشجع أيزيد أم حبيب ؟ فقال : إن الولد ربّما سبق رأي أبيه فيه ، وقطريّ قد مارسهما ، فسلوه عنهما . فلمّا كان من الغد واصطفّوا للقتال صاح رجل : يا أبا نعامة ، فقال : أفرجوا له ، ثم قال : قد سمعت فقل ؛ فقال : إنّا سألنا الأمير عن ابنيه يزيد وحبيب : أيّهما أشجع ، فقال : سلوا أبا نعامة ، فقال : على الخبير سقطت ، أمّا صاحب الكرّ والفرّ والإقدام والإحجام ، وصحّة التدبير ومبارزة الكميّ المدجّج فالحرون يزيد ، وأمّا إذا التقت غياطيل الليل ، وخفتت الأصوات إلّا الغماغم ، وقرع الحديد بالحديد فالخيار حبيب .