أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

241

شرح مقامات الحريري

فإن كانت للّه عز وجل ففرّقوها على عباده ، وإن كانت لهم فلا تحتبسوها عنهم ، وإن كانت لكم فتصدّقوا بها عليهم ؛ فإن اللّه يجزي المتصدّقين ، ولا يضيع أجر المحسنين ؛ وإنّ الوالي من الرعيّة كالروح من الجسد ، لا حياة له إلا به . فقال هشام : ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذرا ، وأمر بمائة ألف دينار ففرّقت في أهل البادية ، وأمر له بمائة ألف درهم : فقال : ارددها في جائزة العرب ، فما لي حاجة في خاصّة نفسي دون عامّة المسلمين . أحمد بن يحيى : حدّثني السدريّ أن نميرا غزت حنيفة فغنمت ، وتبعتهم حنيفة فهزموهم ، وردّوا غنائمهم ، فلقيت غلاما منهم ، فقلت : كيف صنع قومك ؟ فقال : تبعوهم واللّه ، وقد أحقبوا كل جمالية خيفانة ، فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى لحقوهم بعد ثالثة . فجعلوا المرّان أرشية الموت ، فاستقوا بها أرواحهم . وهذا كلام فصيح كثير الاستعارة . أحقبوا : أردفوا بموضع الحقيبة ، والجمالية المرأة الجميلة : وخصف : خرز ، وتشبيه المرّان - وهي الأرماح - بالأرشية وهي الحبال حسن . وجلس خالد القسريّ يوما للشعراء على الفرات ، فأنشدوه وأخذوا الجوائز وانصرفوا ، ولم يبق إلّا غلام ، فقال خالد : يا غلام ، أشاعر أنت ؟ قال : لا ولكني متعلّم ، وقد قلت شيئا ، قال : هات ، فأنشأ يقول : [ الطويل ] ألا هل ترى موج الفرات كأنّه * جبال سرور قد أتينك عوّما وما ذاك من عاداته غير أنه * رأى شيمة من جاره فتعلّما وكان بقي على البساط فضلة مال ، فقال له خالد : اطو البساط بما عليه ، فأخذه الغلام بما عليه . ورأى بعض الملوك غلاما يسوق حمارا ، وهو يعنف عليه ، فقال : ارفق يا غلام ، فقال : أيها الملك ، في الرفق مضرّة عليه ، قال : وما مضرّته ؟ قال : يطول طريقه ، ويشتدّ جوعه ، وفي العنف عليه إحسان إليه ، يخفّ حمله ، ويطول أكله . فأعجب به ، وقال : قد أمرت لك بألف درهم ، قال : رزق مقدور ، وواهب مأجور . قال : وقد أمرت بإثبات اسمك في حشمي ، قال : كفيت مئونة ، ورزقت بها معونة ، قال : لولا صغرك لاستوزرتك ، قال : لم يعدم الفضل من رزق العقل ، قال : أفتصلح لذلك ؟ قال : إنما يكون الحمد أو الذمّ بعد التجربة ، ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها ، فاستوزره فوجده ذا رأي صائب . دخل الفرزدق - وهو غلام يافع - على سعيد بن العاص ، وقد أنشد أشعارا والحطيئة حاضر فأنشده : [ الوافر ]