أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
87
شرح مقامات الحريري
المقامة العشرون وهي الفارقيّة حكى الحارث بن همّام قال : يمّمت ميافارقين ، مع رفقة موافقين ، لا يمارون في المناجاة ، ولا يدرون ما طعم المداجاة ، فكنت بهم كمن لم يرم عن وجاره ، ولا ظعن عن أليفه وجاره . فلمّا أنخنا بها مطايا التّسيار ، وانتقلنا عن الأكوار إلى الأوكار ، تواصينا بتذكار الصّحبة ، وتناهينا عن التّقاطع في الغربة ، واتّخذنا ناديا نعتمره طرفي النّهار ، ونتهادى فيه طرف الأخبار ، فبينا نحن به في بعض الأيام ، وقد انتظمنا في سلك الالتئام ، وقف علينا ذو مقول جريّ ، وجرس جهوريّ ، فحيّا تحيّة نفّاث في العقد ، قنّاص للأسد والنّقد ، ثم قال : * * * يمّمت : أي قصدت . [ ميافارقين ] ميّافارقين ، بلدة منها إلى نصيبين ثلاثون فرسخا ، وميافارقين بديار بكر ، وهي من كور الجزيرة ، وكان تملّكها سيف الدولة ، وذكرها المتنبي ، فقال : نجانف عن ذات اليمين كأنّها * ترقّ لميّافارقين ونرحم الفنجديهي : سمعت بعض الأدباء يقول : سمّيت ميافارقين ، لأنّ ذا الرمّة أو غيره من العشاق ، لو وصل إليها بالاتّفاق ، وشاهد وجوه أهلها الملاح ، والعيون السقيمة الصحاح ، وعاين رشاقة القدود ، ولباقة الخدود ، وسواد الطّرر ، وبياض الغرر ، وسمرة الشّفاه اللعس ، وحمرة الوجنات والجباه الملس ، لقال لصاحبته : ميّافارقيني ، ولا ترافقيني ، فلا يجوز التيمم مع وجود الماء ، ولا حاجة إلى الدواء بعد البرء والشفاء . * * * قوله : « يمارون » أي يجادلون ولا يخالفون . المناجاة : المحادثة المداجاة : المساترة بالعداوة . لم يرم : لم يزل . يقال ما رامني ولا يريمني ، أي لم يبرح عني ولا زال ، ولا يقال إلّا منفيّا وجاره : بلده ، وأصله الجحر : ظعن : رحل . أليفه : صاحبه . الأكوار :