أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

71

شرح مقامات الحريري

ما أنت وحدك مكسوّا ثياب ضني * بل كلّنا لك من مضنى ومشحوب ألقى عليك يدا للضّرّ كاشفة * كشاف ضرّ نبيّ اللّه أيوب * * * قال الراوي : وكنت فيمن التفّ بأصحابه ، وأغذّ إلى بابه ، فلمّا انتهينا إلى فنائه ، وتصدّينا لاستنشاء أنبائه ، برز إلينا فتاه ، مفترة شفتاه ، فاستطلعنا طلع الشّيخ في شكاته ، وكنه قوى حركاته ، فقال : قد كان في قبضة المرضة ، وعركة الوعكة ، إلى أن شفّه الدّنف واستشفّه التّلف ، ثمّ منّ اللّه تعالى بتقوية ذمائه ، فأفاق من إغمائه . فارجعوا أدراجكم ، وانضوا انزعاجكم ، فكأن قد غدا وراح ، وساقاكم الرّاح . فأعظمنا بشراه ، واقترحنا أن نراه ، فدخل مؤذنا بنا ، ثمّ خرج آذنا لنا ، فلقينا منه لقى ، ولسانا طلقا ، وجلسنا محدقين بسريره ، محدّقين إلى أساريره . * * * قوله : « أغذ » ، أي أسرع . تصدّينا : تعرّضنا . الاستنشاء : الاستطلاع . أنبائه : أخباره . برز : خرج . مفترة : ضاحكة . استطلعناه : سألناه أن يطلعنا . طلع الشيخ في شكاته : خبر مرضه . كنه : حقيقة . عركه الوعكة : شدة المرضة ، وعركت الشيء : دلكته بيديك وحككته ، ووعكته الحمّى : كسرته . وشفّه الدنف : أضعفه المرض ونقص جسمه استشفّه : استقصى بقية قوته . ذمائه : قوى نفسه إغمائه : ذهاب عقله من الضعف . ارجعوا أدراجكم ، أي في الطريق الذي جئتم فيه . انضوا انزعاجكم ، أي أزيلوا زعجكم وطيشكم ، والانزعاج : ضد القرار . أعظمنا بشراه ، أي وجدنا ما بشرنا به عظيما ، والبشارة بكسر الباء : ما بشّرت به ، والبشارة بضمها : ما يعطى على البشارة . والبشارة بفتحها : الجمال ، وفلان بشير الوجه ، أي حسنه ، وعند أكثرهم أن لفظ « بشّرته » لا يستمل إلا في الإخبار في الخير ، وليس كذلك ، بل يستعمل في الخير والشرّ قال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ التوبة : 24 ] ، والعلّة في ذلك أن البشارة إنما سميت بذلك لاستبانة تأثير خبرها في بشرة من بشّر بها ، وقد تتغيّر البشرة للمساءة بالمكروه ، كما تتغيّر عند المسرّة بالمحبوب ، إلا أنه إذا أطلق لفظها وقع على الخير ؛ كما أنّ النذارة يطلق لفظها في الشر ، وهذا ذكره الحريري في الدّرّة قال ابن عزيز : البشرى : والبشارة إخبار بما يسر ، قال تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى [ يونس : 64 ] . اقترحنا : طلبنا ، واقترحت الشيء : فعلته قبل أن يفعل . مؤذنا : معلما . لقّى : طريحا . طلقا : فصيحا . محدقين : محلّقين ، وأحدق القوم بالشيء إذا أحاطوا به واحتفّوا