أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

471

شرح مقامات الحريري

وقال له ابنه : أيّ رجل كان الشافعيّ حتى تدعو له هذا الدعاء ؟ فقال : يا بنيّ كان كالشّمس للدنيا ، أو كالعافية للناس . وحدّث صالح بن أحمد بن حنبل قال : مشى أبي مع بغلة الشافعيّ في ركابه ، فبعث إليه يحيى بن معين فقال له : يا أبا عبد اللّه ، أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته ! فقال : يا أبا زكرياء ، لو مشيت من الجانب الآخر لكان أنفع لك ، وما يمسّ أحد محبرة إلا وللشافعي في عنقه منّة . وقال الشافعيّ رضي اللّه عنه : ما شبعت منذ ست عشرة سنة ، لأنّ الشّبع يثقّل البدن ، ويقسّي القلب ، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة . وقال : ما حلفت باللّه لا صادقا ولا كاذبا . وقال : ما ناظرت أحدا قطّ فأحببت أن يخطئ ، وما كلّمت أحدا إلا أحببت أن يوفّق ويسدّد ويعان ، ويكون عليه من اللّه رعاية وحفظ وما كلّمت أحدا إلا وأنا لا أبالي أن يبيّن اللّه الحقّ على لسانه أو لساني وما أوردت الحجة على أحد ، فقبل مني إلا هبته واعتقدت محبّته ، ولا ثابرني على الحق أحد ودافع الحجة إلا سقط من عيني ورفضته . وكان يختم القرآن في رمضان ستين مرّة كلّ ذلك في الصلاة . وقال الكرابيسيّ : بتّ معه غير ليلة فكان يصلّي نحوا من ثلث الليل ، فما رأيته يزيد على خمسين آية ، فإذا أكثر فمائة آية . وكان لا يمرّ بآية فيها رحمة إلا سأل اللّه لنفسه ولجميع المسلمين ، ولا بآية عذاب إلا تعوّذ منها وسأل النجاة منها لنفسه ولجميع المسلمين . وقال عمر بن عبد اللّه البلويّ : جلسنا يوما نتذاكر الزّهاد والعبّاد والعلماء ، وما بلغ من زهدهم وفصاحتهم وعلمهم ، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا عمر بن نباتة ، وقال : فيم تتحاورون ؟ فأعلمناه ، فقال عمر : واللّه ما رأيت رجلا قطّ أورع ولا أخشع ولا أصبح ولا أسمح ، ولا أعلم ولا أكرم ولا أجمل ، ولا أجلّ ولا أفضل ، من محمد بن إدريس الشافعيّ ، خرجت أنا وهو والحارث بن اللبيد إلى الصّفا ، وكان الحارث صاحب صالح المرّي ، وكان من المتّقين الخاشعين ، وكان حسن الصوت ، فقرأ هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ النازعات : 35 ، 36 ] فرأيت الشافعي رضي اللّه عنه قد تغيّر لونه ، واقشعرّ جلده واضطرب اضطرابا شديدا ، ثم خرّ مغشيّا على وجهه ، فلما أفاق جعل يقول : أعوذ بك من مقام الكاذبين ، وأعراض الغافلين ! اللهم خضعت لك قلوب العارفين ، وذلّت لك قلوب المشتاقين ، اللهم هب لي جودك ، وجلّلني بسترك ، واعف عن تقصيري بكرم وجهك . ثم قمنا وتفرّقنا . وقال الربيع بن سليمان ، سمعت الشافعيّ رضي اللّه عنه ، يقول : أتى عليّ عيد وليس عندي نفقة ، فاستسلفت سبعين دينارا لنفقة أهلي ، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل من