أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

472

شرح مقامات الحريري

قريش يشتكي إلي الحاجة فأخبرته خبري ، وقلت له : خذ ما تحبّ ، فقال لي : ما يقنعني إلّا أكثر من هذه الدنانير ، فقلت له : فخذها ، وبتّ وما معي دينار ولا درهم ، فبينا أنا في منزلي إذ أتاني رسول جعفر بن يحيى البرمكي يقول : أجب الوزير ، فأجبته . فقال : ما شأنك في هذه الليلة ؟ يهتف بي هاتف كلّما دخلت في النوم ، يقول : الشافعيّ الشافعيّ ، فأخبرته بالخبر ، فأعطاني خمسمائة دينار ، ثم قال : أزيدك فأعطاني خمسمائة أخرى ، فلم يزل يزيدني حتى أعطاني ألفي دينار . ومن جوده أن سوطه وقع من يده ، فأعطى من ناوله إياه خمسين دينار وورد مكة بعشرة آلاف درهم ، فضرب خباءه خارجها ، فأتاه الناس ، فما برح من موضعه حتى فرّقها . وكان شاعرا مجيدا ، قال أبو القاسم بن الأزرق : دخلت عليه ، فقلت له : يا أبا عبد اللّه ، أما تنصفنا ! لك هذا الفقه تفوز بفوائده ، ولنا هذا الشعر ، وقد جئت تداخلنا فيه ! فإمّا أفردتنا أو أشركتنا في الفقه ، وقد أتيت بأبيات إن أجزتها بمثلها تبت من الشّعر ، وإن عجزت تب منه ، فقال لي : إيه يا هذا ، فأنشدته هذا الكلام : [ الكامل ] ما همّتي إلا مقارعة العدا * خلق الزمان وهمّتي لم تخلق والنّاس أعينهم إلى سبب الغنى * لا ينظرون إلى الحجا والأولق لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى * ضدّان مفترقان أيّ تفرق لو كان بالحيل الغنى لوجدتني * بنجوم أقطار السماء تعلّقي فقال الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه : ألا قلت كما أقول ارتجالا : [ الكامل ] إن الذي رزق اليسار فلم ينل * حمدا ولا أجرا لغير موفّق فالجدّ يدني كلّ أمر شاسع * والجدّ يفتح كلّ باب مغلق فإن سمعت بأنّ مجدودا حوى * عودا فأثمر في يديه فحقّق وإذا سمعت بأنّ محروما أتى * ماء ليشربه فغاض فصدّق وأحقّ خلق اللّه بالهمّ امرؤ * ذو همّة يبلى بعيش ضيّق ومن الدليل على القضاء وكونه * بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق فقلت له : لا قلت شعرا بعدها . قال المبرّد : كان الشافعيّ رضي اللّه عنه أشعر الناس وآدب الناس ، وأعرفهم بالفقه والقراءات ، ولقد أخبرني بعض أصحابي أنه مات ولد لعبد الرحمن بن مهديّ ، فكتب إليه الشافعي رضي اللّه عنه : يا أخي ، عزّ نفسك بما تعزّي به غيرك ، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك . واعلم أن أمضّ المصائب فقد سرور ، وحرمان أجر ، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر ! فتناول حظّك يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد نأى عنك ، ألهمك اللّه عند المصائب صبرا ، وأحرز لنا ولك بالصبر أجرا ، وكتب إليه : [ البسيط ]