أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

40

شرح مقامات الحريري

ثم أمر بإحضارهما فأحضرتا ، فرأيت جاريتين ما رأيت مثلهما قطّ ، فقلت لإحداهما : ما عندك من العلم ؟ فقالت : ما أمر اللّه في كتابه ، ثم ما ينظر النّاس فيه من الأخبار والأشعار . فسألتها عن حروف من القرآن ، فأجابتني كأنها تقرأ القرآن من كتاب ، ثم سألتها عن الأخبار والأشعار والنّحو والعروض ، فما قصّرت في جوابي في كلّ فنّ أخذت فيه ، فقلت لها : فأنشدينا شيئا ، فأنشدت : [ الطويل ] يا غياث العباد في كلّ محل * ما يريد العباد إلّا رضاكا لا ومن شرّف الإمام وأعلى * ما أطاع الإله عبد عصاكا فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها . وخبرت الأخرى ، فوجدتها دونها ، فأمر أن تصنع تلك الجارية لتحمل إليه في تلك الليلة ثم قال : يا عبد الملك ، أنا ضجر ، وأحبّ أن تسمعني حديثا مما شهدت من أعاجيب الزمان أتفرّج به ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، كان لي صاحب في بدو بني فلان ، وكنت أغشاه ، وأتحدث إليه ، وقد أتت عليه ست وتسعون سنة ، وهو أصحّ النفوس ذهنا وأقواهم بدنا ، فغبت عنه ، ثم أتيته فوجدته ناحل البدن ، كاسف البال ، فسألته : ما سبب تغيّره ؟ فقال : فصدت بعض القرابة ، فألفيت عندهم جارية ؛ قد طلت بالورس بدنها ، وفي عنقها طبل تنشد عليه : [ الوافر ] محاسنها سهام للمنايا * مريّشة بأنواع الخطوب ترى ريب المنون بهنّ سهما * يصيب بنصله مهج القلوب فقلت : [ الطويل ] ففي شفتي في موضع الطّبل ترتعي * كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن هبيني عودا يابسا تحت شقّة * يمتّع فيما بين نحرك والذّقن فلمّا سمعت الشعر ، رمت بالطبل في وجهي ، ودخلت الخيمة ، فوقفت حتى حميت الشمس على مفرق رأسي ، فلم تخرج ، فانصرفت قريح القلب ، فهذا التّغيّر من عشقي لها . فضحك الرشيد حتى استلقى ، ثم قال : ويلك يا عبد الملك ! ابن ست وتسعين يعشق ! فقلت له : قد كان هذا ، فقال : يا عباس ، أعط عبد الملك مائة ألف درهم ، وردّه إلى مدينة السلام . فانصرفت ، ثم أتاني الخادم ، فقال : أنا رسول بنتك - يعني الجارية - تقول لك : إنّ أمير المؤمنين أمر لها بمال وهذا نصيبك ، فدفع لي ألف دينار ، فلم تزل تواصلني بالبرّ الواصل ، حتى كانت فتنة محمد ، وانقطع خبرها عنّي ، وأمر لي الفضل بعشرة آلاف درهم .