أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
41
شرح مقامات الحريري
وحدّث علي بن الجهم ، قال : لما أفضت الخلافة إلى المتوكل ، أهدى إليه الناس على أقدارهم ، فأهدى إليه ابن طاهر جارية أديبة ، تسمّى محبوبة ، تقول الشعر ، وتلحّنه ، وتحسن من كلّ علم أحسنه ، فحلّت من قلب المتوكل محلّا جليلا ، فدخلت يوما للمنادمة ، فخرج وهو يضحك . فقال : يا عليّ ، دخلت فرأيت محبوبة قد كتبت على خدّها بالمسك « جعفر » ، فما رأيت أحسن منه ، فقل فيه شيئا ، فسبقتني محبوبة ، فقالت وأخذت عودها ، وغنّت : [ الطويل ] وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا * بنفسي مخطّ المسك من حيث أثّرا لئن أودعت سطرا من المسك خدّها * لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا فيا من مناها في السّريرة جعفر * سقى اللّه من سقيا ثناياك جعفرا ويا من لمملوك يظل مليكه * مطيعا له فيما أسرّ وأجهرا ويا من لعيني من رأى مثل جعفر * سقى اللّه صوب المسكرات لجعفرا ! قال : فتقلّبت خواطري ، حتى كأنّى ما أحسن حرفا من الشّعر ، فقلت للمتوكل : أقلني ، فقد واللّه عزب ذهني عني ، فلم يزل يعيّرني به . ثم دخلت عليه بعد ذلك للمنادمة ، فقال : يا عليّ ، أعلمت أني غاضبت محبوبة ، وأمرتها بلزوم مقصورتها ، ومنعت أهل القصر من كلامها ؟ فقلت : يا سيّدي ، إن غاضبتها اليوم ، فصالحها غدا ، فدخلت عليه من الغد ، فقال : ويحك يا عليّ ! رأيت البارحة في النّوم كأنّي صالحت محبوبة ، فقالت جاريته : شاطر ، يا سيدي ، لقد سمعت الآن في مقصورتها هينمة ، فقال : قم حتى ننظر ما هي ، فقام حافيا ، حتى قربنا من مقصورتها ، فإذا هي تغنّي ، وتقول : [ المنسرح ] أدور في القصر لا أرى أحدا * أشكو إليه ولا يكلّمني كأنني قد أتيت معصية * ليست لها توبة تخلّصني فمن شفيع لنا إلى ملك * قد زارني في الكرى وصالحني حتى إذا ما الصباح عاد لنا * عاد إلى هجره فصارمني فصفّق المتوكل طربا ، فلمّا سمعته خرجت تقبّل رجليه ، وتمرّغ خدّها في التراب ، حتّى أخذ بيدها راضيا عنها . حدث أبو عليّ بن الأسكريّ المصريّ - وأسكر هي القرية التي ولد بها موسى عليه السلام - قال : كنت من جلّاس تميم بن أبي تميم ، وممن يخفّ عليه ، فأتي من بغداد بجارية رائعة فائقة الغناء ، فدعا جلاسه ، ومدّت الستارة ، فأمرها فغنّت : [ الكامل ] وبدا له من بعد ما اندمل الهوى * برق تألّق موهنا لمعانه يبدو كحاشية الرّداء ودونه * صعب الذّرى متمنّع أركانه