أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
302
شرح مقامات الحريري
وقد غلط المتنبي في هذا ، ونسب فيه إلى الكذب والمحال الفاضح ، لأن سيادة الأطفال في المهود وقود الجيوش من أمحل المحال ، وهذا وإن كان ظاهره كذلك ، فقد اتسعت العرب وأهل الأدب في هذا القدر ، وأقاموا تخيّل النجابة في المولود في مهده مقام وجودها في كبره . ثم إذا وجدوا صفة الكمال في الرجل التامّ حكموا بكمالها ، لأنه رضعها في ثدي أمه ، أو غذي بها في بطن أمه ، ألا ترى قوله : تعلمت العلم قبل أن يقطع سرّك وسررك ، وقبل أن يقطع ذاك ، كان في بطن أمّه ، وهذا لم ينكره أحد ، ومن شعر الحماسة في الذي رأى المهلب في مهده فقال : [ الطويل ] خذوني به إن لم يسد سرواتهم * ويبرع حتى لا يصاب له مثل وفيها أيضا : [ الطويل ] لئن فرحت بي معقل عند شيبتي * لقد فرحت بي بين أيدي القوابل وذلك لتخيّل النجابة فيه في ذلك الوقت ، ألا ترى ما تثبت نساء العرب من بلوغ السيادة لأبنائهنّ عند ترقيصهن ، وانظر إلى ذلك إن شئت في فصل نظمناه في كتابنا الموضوع لاختصار نوادر أبي عليّ ، فقد سقط عن المتنبي والحريري بهذا ما عيب عليهما ، وقال سوار بن أبي شراعة : [ الرمل ] تعرف السّودد في مولودهم * وتراه سيّدا إن أيفعا نعش : رفع الضعيف بجوده . فرّج : أزال همه . ضافر : فاخر . أبهج : أدخل السرور على أحبابه إذا كان له الغلب . نافر : حاكم في النسب . وكانوا في الجاهلية إذا تنازع الرّجلان الشّرف تنافرا إلى حكمائهم فيفضّلون الأشرف ، وسميت منافرة لأنهم كانوا يقولون عند المفاخرة : أيّنا أعزّ نفرا . [ منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة ] وأشهر منافرة في الجاهلية منافرة عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب مع علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر ، حين قال له علقمة : الرئاسة لجدّي الأحوص ، وإنما صارت إلى عمك أبي براء من أجله ، وقد أسنّ عمك وقعد عنها ، فأنا أولى بها منك . وإن شئت نافرتك ، فقال عامر : قد شئت واللّه ؛ لأنا أكرم منك حسبا ، وأثبت نسبا ، وأطول قصبا ، فقال علقمة : أنافرك وإني لبرّ وإنّك لفاجر ، وإني لولود وإنك لعاقر ، وإني لعفّ وإنك لعاهر ، وإني لواف وإنك لغادر ؛ فقال عامر : أنافرك ؛ أنا أسنى منك سنّة ، وأطول قمّة ، وأحسن لمّة ، وأجعد جمّة ، وأبعد همّة . فقال علقمة : أنت جسيم وأنا قضيف « 1 » ، وأنت جميل ، وأنا قبيح ؛ ولكن أنافرك أنا أولى بالخيرات منك .
--> ( 1 ) القضيف : النحيف .