أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
303
شرح مقامات الحريري
فخرجت أمّ عامر فقالت : نافره أيّكما أولى بالخيرات ، ففعلوا على أن جعلوا مائة من الإبل يعطاها الحكم الذي ينفر عليه صاحبه ، فخرج علقمة ببني خالد بن الأصفر وبني الأحوص ومعهما القباب والجزور والقدور ؛ ينحرون في كلّ منزل يطعمون ، وخرج عامر ببني مالك ، وقال : إنها المقارعة عن أحسابكم ، فاشخصوا : بمثل ما شخص به ، وقال لعمه أبي براء : أعنّي ، فقال : سبّني ، فقال لا أسبّك وأنت عمّي ، فقال : وأنا لا أسبّ الأحوص وهو عمّي ، ولكن دونك نعلي ، فإني ربعت فيها أربعين سنة ؛ ولم ينهض معه . فجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب بن أميّة ، ثم إلى أبي جهل بن هشام ، فلم يقولا بينهما شيئا ، ثم رجعا آخر إلى هرم بن قطبة بن سيار بن عمر الفزاريّ ، فقال : لعمري لأحكمنّ بينكما ، فأعطياني موثقا أطمئن إليه أن ترضيا بحكمي ، وتسلّما ما قضيت بينكما . ففعلا ، فأقاموا عنده أيّاما فأرسل إلى عامر فأتاه سرّا ، فقال : قد كنت أحسب أنّ لك رأيا ، وأن فيك خيرا ، وما حبستك هذه المدة إلا لتنصرف عن صاحبك ؛ أتنافر رجلا لا تفتخر أنت وقومك إلا بآبائه ! فما الذي أنت به خير منه ؟ فقال عامر : نشدتك اللّه والرحم ، ألّا تفضل عليّ علقمة ، فو اللّه لئن فعلت لا أفلح بعدها ، هذه ناصيتي فاجززها واحتكم في مالي ، فإن كنت ولا بدّ فاعلا فسوّ بيني وبينه ، فقال له ما قال لعامر ، فقال له : أتفاخر رجلا هو ابن عمّك في النسب وأبوه أبوك وهو مع ذلك أعظم منك غناء وأحمد لقاء ، وأسمح سماحا ! فما الذي أنت به خير منه ! فردّ عليه علقمة ما ردّ عامر وانصرف وهو لا يشك أنه ينفّر عامرا عليه . فأرسل هرم إلى بنيه وبني أخيه ، وقال لهم : إني قائل غدا بينهما مقالة ، فإذا فرغت فليطرد بعضكم عشر جزائر فلينحرها عن علقمة ، وليطرد بعضكم مثلها فلينحرها عن عامر ، وفرّقوا بين الناس لا يكون بينهم جماعة . ثم أصبح هرم فجلس مجلسه وأقبل عامر وعلقمة حتى جلسا ، فقال هرم : إنكما يا بني جعفر قد تحاكمتما إليّ ؛ أنتما كركبتي البعير الآدم الفحل تقعان على الأرض معا ، وليس فيكما واحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه ، وكلاكما سيد كريم . ولم يفضّل واحدا منهما على صاحبه لئلا يجب بذلك شرّا بين الحيّين ، ونحرت الجزر وفرّقت على الناس . وعاش هرم حتى أدرك خلافة عمر رضي اللّه عنه ، فقال : يا هرم ، أي الرجلين كنت مفضلا لو فعلت ؟ فقال : لو قلت ذلك اليوم عادت جزعة ، ولبلغت شعفات هجر ، فقال عمر : نعم مستودع السرّ أنت يا هرم ، مثلك فليستودع العشيرة أسرارهم ، والحكاية طويلة ، وقال فيه الأعشى : [ السريع ] حكّمتموه فقضى بينكم * أبلج مثل القمر الباهر « 1 » لا يقبل الرّشوة في حكمه * ولا يبالي غيرة الخاسر قوله : فاء ، أي رجع . أبلج : بيّن ظاهر . أتعب من سيلي ، يقول إن الأمير الذي
--> ( 1 ) البيتان في ديوان الأعشى ص 141 .