أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

289

شرح مقامات الحريري

واستأذنت على هشام ، فأذن لي ، فدخلت عليه فورا في دار مفروشة بالرّخام ، وبين كلّ رخامتين قضيب من ذهب ، وهو جالس على طنفسة حمراء ، وعليه ثياب حمر من الخزّ ، وقد تضمّخ بالمسك والعنبر ، فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام واستدناني فدنوت منه ، حتى قبّلت رجله ، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط ، في أذني كلّ واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان توقدان ، فقال : كيف أنت يا حماد وكيف حالك ؟ فقلت : بخير يا أمير المؤمنين ، قال : أتدري فيم بعثت إليك ؟ قلت : لا ، قال : في بيت خطر ببالي لم أدر من قائله ، قلت : وما هو ؟ قال : [ الخفيف ] ودعوا بالصّبوح يوما فجاءت * قينة في يمينها إبريق « 1 » فقلت : هو لعديّ بن زيد في قصيدة له ، قال : أنشدنيها فأنشدته : [ الخفيف ] بكر العاذلون في وضح الصب * ح يقولون لي : أما تستفيق « 2 » ويلومون فيك يا ابنة عبد اللّ * ه والقلب عندكم موثوق لست أدري إذ أكثروا العذل فيها * أعدوّ يلومني أم صديق ! حتى انتهيت إلى قوله : [ الخفيف ] ودعوا بالصبوح يوما . . . البيت . قدّمته على سلاف كعين الدّ * يك صفّى سلافها الرّاووق مرّة قبل مزجها فإذا ما * مزجت لذّ طعمها من يذوق وطفا فوقها فقاقيع كاليا * قوت حمر يزينها التّصفيق ثم كان المزاج ماء سحاب * لا صرى آجن ولا مطروق قال : فطرب ، ثم قال لي : أحسنت واللّه يا حماد ! ثم قال لإحدى الجاريتين : اسقيه ، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي ، ثم قال : أعده فأعدته ، عليه ، فاستخفّه الطرب حتى نزل عن فرشه ، ثم قال للأخرى : اسقيه ، فسقتني شربة فذهب ثلث آخر من عقلي ، ثم قال : سل حاجتك ، فقلت : إحدى الجاريتين ، فقال : هما جميعا لك ، ثم قال للأولى اسقيه ، فسقتني شربة سقطت منها فلم أفق إلا والجاريتان عند رأسي وعشرة من الخدم مع كلّ واحد بدرة ، فقيل لي يقول : لك أمير المؤمنين : انتفع بهذا في سفرك ، فأخذتها والجاريتين وعاودت أهلي . وذكر أبو محمد هذه الحكاية في الدرّة وقال : هذه حكاية تنشر مآثر الأجواد ، وترغّب المتأدب في الازدياد . وهذه النبذة دالة على أخبار الفرج بعد الشدّة فلنقتصر عليها . * * *

--> ( 1 ) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ص 78 ، ولسان العرب ( برق ) ، ( طرق ) ، وتاج العروس ( برق ) . ( 2 ) الأبيات في ديوان عدي بن زيد ص 76 .