أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

288

شرح مقامات الحريري

ولها شرر ، ثم دعوت الثالثة ، فهبط جبريل عليه السلام ينادي : من لهذا المكروب ؟ فدعوت اللّه أن يولّيني قتله . واعلم يا عبد اللّه أن من دعا بدعائك في كلّ شدّة أغاثه اللّه ، وفرّج عنه . ثم جاء التاجر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فأخبره الخبر ، فقال : « لقد لقنك اللّه أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب ، وإذا سئل بها أعطى » . وقال عمرو السرايا : كنت أعبر في بلاد الروم وحدي ، فبينا أنا نائم إذ ورد عليّ علج فحرّكني ، ثم قال : يا أعرابيّ ، اختر إمّا مسايفة ، وإما مطاعنة ، أو مصارعة ! فقلت : المسايفة والمطاعنة لا معنى لهما ، ولكن المصارعة ، فلم ينهنهني أن صرعني وقعد على صدري ، وقال : أيّ قتلة تريد أن أقتلك ، فذكرت الدعاء ورفعت رأسي إلى السماء ، وقلت : أشهد أن كلّ معبود ما دون عرشك إلى منتهى الأرضين باطل ، عزّ وجهك الكريم ؛ فقد ترى ما نزل بي . وأغمي عليّ ، فأفقت والرومي قتيل إلى جانبي ، فقمت ، وكنت أعلّم الناس هذا الدعاء . ووجّه سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد إلى العراق ، فأطلق أهل سجون الحجاج وضيّق على يزيد بن أبي مسلم كاتبه . فظفر به يزيد لمّا ولي إفريقيّة ، فجعل محمد يقول : اللهم احفظ لي إطلاق الأسرى ، وإعطاء الفقراء ، فلما دنا يزيد منه وفي يده عنقود ، قال : يا محمد ما زلت أسأل اللّه أن يظفرني بك . فقال له محمد : وما زلت أستجير اللّه منك ، قال : فو اللّه ما أجارك ولا أعاذك منّي . وو اللّه لأقتلنّك قبل أن آكل هذه الحبّة من العنب ؛ وو اللّه لو رأيت ملكا يريد قبض روحك لسبقته إليها . وأقيمت الصلاة فوضع حبّة العنب بين يديه ، وتقدّم فصلّى بهم ، وكان أهل إفريقية اجتمعوا على قتل يزيد ، فلما ركع ضربه رجل بعمود حديد فقتله ، وقال لمحمد : اذهب حيث شئت . وقال حماد الراوية : كنت منقطعا إلى يزيد بن عبد الملك ، وكان أخوه هشام يجفوني في أيامه لذلك ، فلمّا مات يزيد ، وأفضت الخلافة إلى هشام خفته ، فمكثت في بيتي سنة ؛ لا أخرج إلا لمن آمن إليه من إخواني سرّا . فلمّا لم أسمع أحدا يذكرني في السنة أمنت فخرجت ، وصلّيت الجمعة في الرّصافة ، فإذا شرطيّان قد وقفا عليّ ، وقالا : يا حمّاد ، أجب الأمير يوسف بن عمر ، فقلت في نفسي : من هذا كنت أخاف ، ثم قلت للشرطيين : هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودّعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا ، ثم أسير معكما إليه ؟ فقال : ما إلى ذلك من سبيل ، فاستسلمت في أيديهما ، وسرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر ، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام ورمى إليّ كتابا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر . أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير تروّع ولا تتعتع ، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريّا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق ، فأخذت الدنانير وجعلت رجلي في غرز جمل أعدّه لي ، ووافيت دمشق لاثنتي عشرة ليلة ،