أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
272
شرح مقامات الحريري
بالتقوى . أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، وأكرمكم عند اللّه أتقاكم » « 1 » ، فلذلك قال : إنما الفخر بالتقى . وقال عليّ كرم اللّه وجهه ورضي عنه : [ البسيط ] الناس من جهة التمثيل أكفاء * أبوهم آدم والأمّ حوّاء فإن يكن لهم من قبل ذا نسب * يفاخرون به فالطين والماء وقال عامر بن الطفيل : [ الطويل ] وإني وإن كنت ابن سيّد عامر * وفي السرّ منها والصريج المهذّب « 2 » فما سودتني عامر عن ولادة * أبى اللّه أن أسمو بأمّ ولا أب ولكنّني أحمي حماها وأتّقي * أذاها وأرمي من رماها بمنكب فهذا مع إمكانه الفخر بالآباء لم يفخر إلا بنفسه . وأخذه عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب فقال : [ الكامل ] لسنا وإن أحسابنا كرمت * يوما على الأحساب نتّكل نبني كما كانت أوائلنا * تبني ونفعل مثل ما فعلوا وهذا مثل قول الحسن رضي اللّه تعالى عنه وقد أجزل صلة شاعر ، فليم في ذلك فقال : أتراني خفت أن يقول : إني لست ابن فاطمة بنت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا ابن عليّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، ولكني خفت أن يقول : لست كمثلهما فيصدّق ويحمل عنه ، ويبقى مخلّدا في الكتاب محفوظا على ألسنة الرواة ، فقال الشاعر : أنت واللّه يا بن رسول اللّه أعرف بالمدح والذم مني . قوله : والأدب المنتقى ؛ حدّث يحيى بن أكثم قال : بينما أنا جالس مع المأمون إذ دخل الدار فتى ، أبدع الناس زيّا وهيبة ووقارا ، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه ، فنظر إليه المأمون ، فقال : يا يحيى إنّ هذا الفتى لا يخلو أن يكون هاشميّا أو نحويّا ، ثم بعثا من يتعرف ذلك منه . فعاد الرسول فأخبر أنه نحويّ . فقال المأمون : يا يحيى ؛ أعلمت إن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس وعلوّ الهمة منزلة بني هاشم في شرفهم ! يا يحيى ، من قعد به نسبه قام به أدبه .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في التفسير ، تفسير سورة 49 ، باب 5 ، وأحمد في المسند 5 / 411 . ( 2 ) الأبيات في ديوان عامر بن الطفيل ص 28 ، والبيت الثاني في الحيوان 2 / 95 ، وخزانة الأدب 8 / 343 ، 345 ، 348 ، وشرح شواهد الشافية ص 404 ، وشرح شواهد المغني ص 953 ، وشرح المفصل 10 / 101 ، والشعر والشعراء ص 343 ، ولسان العرب ( كلل ) ، والمقاصد النحوية 1 / 242 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 185 ، والخصائص 2 / 342 ، ومغني اللبيب ص 677 ، ويروى « عن وراثة » بدل « عن ولادة » .