أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

265

شرح مقامات الحريري

المقامة الخامسة والعشرون وتعرف بالكرجيّة حكى الحارث بن همام قال : شتوت بالكرج لدين أقتضيه ، وأرب أقضيه ، فبلوت من شتائها الكالح ، وصرّها النّافح ، ما عرّفني جهد البلاء ، وعكف بي على الاصطلاء ؛ فلم أكن أزايل وجاري ، ولا مستوقد ناري ، إلّا لضرورة أدفع إليها ، أو إقامة جماعة أحافظ عليها ، فاضطررت في يوم جوّه مزمهرّ ، ودجنه مكفهر إلى أن برزت من كناني ، لمهمّ عناني ؛ فإذا شيخ عاري الجلدة ، بادي الجردة ، وقد اعتمّ بريطة ، واستثفر بفويطة ، وحواليه جمع كثيف الحواشي ، وهو ينشد ولا يحاشي . * * * شتوت : أقمت في الشتاء . [ الكرج ] والكرج : مدينة معروفة ، وبشدة البرد موصوفة ، وهي بين أصبهان وهمذان ، وقد تقدم برد همذان في الأولى ، ومن همذان إلى نهاوند مرحلتان ، ومن الكرج إلى مدينة أصبهان ستون فرسخا . وهي منازل عيسى بن إدريس بن معقل العجليّ ، ولم تكن في أيام العجم مدينة مشهورة ، وإنما كانت في عداد القرى العظام من رساتيق كورة أصبهان ، فنزلها العجليّون فبنوا بها الحصون والقصور ، وجعلها أبو دلف مدينة عظيمة . وقال أبو دلف : دخلت على الرّشيد ، فقال لي : يا قاسم ، ما خبر أرضك ؟ قلت : خراب يباب ، خرّبها الأكراد والأعراب ، فقال قائل : هذا آفة الجبل وهو أفسده ، فقلت : فأنا أصلحه . قال الرشيد : وكيف ذلك ؟ قلت : أفسدته وأنت عليّ وأصلحه وأنت معي . ففعل ذلك ، وعمّر الكرج ، حتى صار دار أجناد ، ومحلّ وفود وقصّاد . وقال عليّ بن جبلة : زرته في الجبل ، فلما حللت بالكرج ، أظهر من برّي وإكرامي أمرا مفرطا ، حتى تأخّرت عنه تأخرا كبيرا . فوصل إليّ معقل بن عيسى ، فقال : يقول الأمير : انقطعت عني ، وأحسبك استقللت برّي ، فلا يغضبنّك ذلك ، فسأزيد فيه حتى ترضى فقلت : واللّه ما قطعني عنه إلا إفراطه بالبرّ . قال : وكتب إليه في ذلك :