أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

251

شرح مقامات الحريري

قال : وفي أخبار النحويين أيضا أنّ المازنيّ سئل بحضرة المتوكل عن قوله تعالى : وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [ مريم : 28 ] فقيل له : كيف حذفت الهاء من « بغيا » وفعيل بمعنى فاعل ، تلحقه الهاء ، نحو فتيّ وفتية وغنيّ وغنيّ ، فقال : إن « بغيا » ليست « فعيلا » إنما هو فعول بمعنى فاعل ، لأن الأصل « بغوى » ومن أصول التصريف أنه متى اجتمعت الياء والواو في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ، كشويته شيّا ، ويوم وأيام ، وهذا أصل مطرد لم يشذّ منه إلا القليل ، فعلى هذه القضية تحذف الهاء وجوبا لأنها بمعنى « باغية » ، كما تحذف من « صبور » لأنها بمعنى « صابرة » . قال المازنيّ : حضر يعقوب عند الواثق وقد حاز منزلة العلماء ، فقال لي الواثق : سله عن مسألة ، فقلت له : ما وزن « نكتل » ؟ فقال : « نفعل » ، فقلت له : غلطت ، ثم قال لي : فسّره . فقلت : أصله « نكتيل » ، فقلبت الياء ألفا للفتحة قبلها وسكنت اللام للجزم ، لأنه جواب أمر ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، فقال الواثق : هذا الجواب لا جوابك يا يعقوب ، فلما خرجنا قال لي يعقوب : ما حملك على هذا وبيني وبينك المودة ؟ فقلت : واللّه ما ظننت أنه يعزب عنك مثل هذا ! فانظر كيف لم يثبت يعقوب الأوزان على ثبوت قدمه في العلم . لقي هارون الرشيد الكسائيّ في بعض طرقه فوقف عليه ، وتحفّى بسؤاله عن حاله ، فقال : أنا بخير يا أمير المؤمنين ، ولو لم أجد من ثمرة الأدب إلا ما وهب للّه تعالى لي من وقوف أمير المؤمنين عليّ لكان ذلك كافيا محتسبا . ودخل أبو يوسف رحمه اللّه تعالى وهما في مذاكرة وممازحة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ هذا الكوفيّ قد غلب عليك ، فقال : يا أبا يوسف إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي ، وتأخذ بمجامعه ، فقال الكسائيّ : يا أبا يوسف ، هل لك في مسألة ؟ فقال : في نحو أو في فقه ؟ فقال : بل في فقه ، فضحك هارون حتى فحص برجليه ، وقال : تلقي على أبي يوسف الفقه ؟ فقلت : نعم ، ثم قال : يا أبا يوسف ، فما تقول في رجل قال لزوجته : أنت طالق إن دخلت الدار ؟ قال : إذا دخلت الدار طلقت ، قال : أخطأت يا أبا يوسف ! فضحك الرشيد ثم قال : فكيف الصواب ؟ قال : إذا قال : « أن » وجب الفعل ، دخلت بعد أو لم تدخل ، وإذا قال « إن » بالكسر لم يجب ولم يقع الطلاق . دخل الفراء على الرشيد فتكلم فلحن مرات ، فقال له جعفر : يا أمير المؤمنين ، إنه قد لحن ، فقال الرشيد للفراء : أتلحن يا يحيى ؟ فقال : إنّ طبع أهل البدو الإعراب وطباع أهل الحضر اللحن ، فإذا حفظت أو كتبت لم ألحن ، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت ، فاستحسن الرشيد كلامه وعلم أنه الحق . وهذا القدر من المناظرة النحوية كاف . * * *