أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
22
شرح مقامات الحريري
وانحدر حتى بلغ إلى فم نهر الأبلة فتغدّوا وشربوا ، وأمر جواريه فغنّين ، فغنت إحداهنّ للنابغة : [ البسيط ] بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما « 1 » ومعبد ساكت في ثياب السّفر ، حتى سكتت ، فصاح : يا جارية ، غناؤك ليس بمستقيم ، فغضب مولاها ، وقال : وما أنت والغناء ! ثم غنّت الثانية بشعر عبد الرحمن بن أبي بكر : [ الرمل ] يا ابنة الأزديّ قلبي كئيب * مستهام عندها ما ينيب « 2 » ولقد قالوا فقلت دعوني * إنّ من تنهون عنه حبيب إنّما أفني عظامي وجسمي * حبّها ، والحبّ شيء عجيب فصاح معبد : يا جارية ، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا ! فازداد غضبا مولاها ، وقال : ويلك ! أما تكفّ عن هذا الفضول ! ثم غنّت أخرى لكثيّر فقالت : [ الطويل ] خليليّ عوجا سلّما ساعة معي * على الرّبع نقضي حاجة ونودّع « 3 » وقولا لقلب قد سلا : راجع الهوى * وللعين أذرى من دموعك أو دعي فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا * مصيفا أقمنا فيه من بعد مربع فقال معبد : ما قومتنّ صوتا واحدا ، فقال له الرجل : واللّه ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة ، وأقسمت باللّه لئن عاودته لأخرجنّك من السفينة ، فاندفع معبد يغني الصوت الأوّل ، فصاح الجواري : أحسنت واللّه يا رجل ! فأعده ، قال : لا ولا كرامة ، ثم غنى الثاني ، فقلن لسيدهنّ : هذا واللّه أحسن الناس غناء ، فاسأله أن يعيد لعلّنا أن نأخذه ، ثم غنّى الثالث فزلزل عليهم السفينة ، فوثب الرجل وقبّل رأسه ، وقال : أخطأنا عليك ، فأسألك أن تنزل إليّ ، فأبى فلم يزل به حتى نزل ، وقال له : من أين أخذ جواريك هذا الغناء ؟ قال : من جارية أخذت عن أبي عباد معبد ، ثم استأثر اللّه بها ، وكانت منّي محل الروح من الجسد ، فلذلك أفضل معبدا على جميع المغنيين ، فقال له معبد : وإنك لأنت هو ! أفتعرفني ؟ قال : لا ، فصك معبد بيده صلعته ، وقال : فأنا واللّه معبد ، وإليك قدمت
--> ( 1 ) عجزه : واحتلّت الشرع فالأجراع من إضما والبيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص 61 ، ولسان العرب ( أضم ) ، ( جذم ) ، وتاج العروس ( أضم ) ، ومقاييس اللغة 1 / 439 ، ومجمل اللغة 1 / 418 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( آ ) . ( 2 ) الأبيات بلا نسبة في الأغاني 1 / 50 . ( 3 ) الأبيات لكثير في الأغاني 1 / 50 ، وليست في ديوانه .