أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
23
شرح مقامات الحريري
من الحجاز ، ولقصدكم بالأهواز دخلت السفينة ، واللّه لا قصرت في جواريك [ هؤلاء ] حتى أجعلهنّ خلفا من الماضية ، فأكبّ الرجل والجواري على يديه ورجليه بالتقبيل ، ويقولون : « كتمتنا نفسك ، حتى أسأنا عشرتك ، وأنت ممّن نتمنّى من اللّه أن نلقاه » . ثم وهب له ثلاثمائة دينار وطيبا وهدايا بمثلها ، فأقام عنده سنة حتى أخذ عنه جواريه ثم انصرف إلى الحجاز . قال ابن الكلبي : قدم ابن سريح والغريض المدينة ، وكانا في صنعة الغناء من الحذاق ، يتعرّضان لمعروف أهلها ، فلما شارفاها تقدّما ثقلهما ، ليرتادا منزلا ، حتى إذا همّا بمغسلة تغسل فيها الثّياب قرب المدينة ، إذا هما بغلام ملتحف بإزار وطرفه على رأسه ، وبيده حبالة يصيد بها الطير ، وهو يتغنّى : [ البسيط ] القصر فالنخل فالجمّاء بينهما * أشهى إلى القلب من أبواب جيرون « 1 » فإذا الغلام معبد فلما سمعاه مالا إليه ، واستعاداه ، فأعاد الصوت ، فسمعا شيئا لم يسمعا مثله قطّ ، فقال أحدهما لصاحبه : هل سمعت كاليوم قطّ ؟ قال : لا واللّه ، فما رأيك ؟ قال ابن سريج : هذا غناء غلام يصيد الطّير ، فكيف بمن في المدينة ، أمّا أنا فثكلت والدي إن لم أرجع ، فرجع ولم يدخلها . وروى إسحاق أنّ معبدا سافر إلى مكة ، فسمع ببطن مرّ غناء ، فقصد الموضع ، وإذا رجل جالس على حرف بركة فارق شعره حسن الوجه عليه درّاعة مصبوغة بزعفران ، وهو يتغنى : [ الخفيف ] حنّ قلبي من بعد ما قد أنابا « 2 » * ودعا الهمّ شجوه فأجابا ذاك من منزل لسلمى خلاء * لابس من خلائه جلبابا عجت فيه وقلت للرّكب عوجوا * طمعا أن يردّ ربع جوابا فاستثار المنسيّ من لوعة ألح * بّ وأبدي الهموم والأوصابا فقرع معبد بعصاه وغنى : [ الكامل ] منع الحياة من الرجال ونفعها * حدق تقلّبها النّساء مراض « 3 » وكأنّ أفئدة الرجال إذ رأوا * حدق النساء لنبلها أغراض
--> ( 1 ) بعده في الأغاني 1 / 11 قد يكتم الناس أسرارا فأعلمها * وما ينالون حتى الموت مكنوني والبيت الأخير للمعيطي في لسان العرب ( كنن ) . ( 2 ) الأبيات في الأغاني 1 / 47 . ( 3 ) البيتان للفرزدق في ديوانه ص 488 ، والأغاني 1 / 48 .