أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
207
شرح مقامات الحريري
فرسان في عنان واحد ، فتأملهما ، فقال : فرسي واللّه . ثم تأمل وقال : وفرس ابني عبد اللّه ، فجاء الفرسان أمام الخيل ؛ فرسه السابق وفرس المأمون المصلّي ، فسرّ بذلك الرشيد سرورا عظيما ، قال الأصمعيّ : فقلت للفضل : يا أبا العباس ، هذا من أيامي ، فاحتل حتى توصلني ، فقال الفضل : يا أمير المؤمنين ، إن الأصمعي قد أعدّ في أمر الفرسين شيئا يريد به سرور أمير المؤمنين ، فقال : هات يا أصمعيّ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، كنت وابنك اليوم وفرساكما ، كما قالت الخنساء - وقد قيل لها : كيف تفضلين أخاك على أبيك ؟ فقالت : [ الكامل ] جارى أباه فأقبلا وهما * يتعاوران ملاءة الحضر « 1 » وهما كأنهما وقد برزا * صقران قد حطّا إلى وكر حتى إذا جدّ الجراء وقد * ساوت هناك الغدر بالغدر وعلا هتاف الناس : أيهما ؟ * قال المجيب هناك : لا أدري برقت صحيفة وجه والده * ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه * لولا جلال السنّ والكبر قيل لأبي عبيد : ليس هذا في مجموع شعرها ، فقال : العامة أسقط من أن يجودوا عليها بمثل هذا . فقولها : « ملاءة الحضر » تعني بها غبرة الفرسين التي أثاراها جعلتهما كملحفة يرتديانها ويتجاذبانها ، وسيأتي من أخذ منها هذا المعنى ومن سبق إليه في الأربعين . [ مراتب الخيل ] ومراتب الخيل في الحلبة : السابق منها يسمى المجلّي ثم المصلّي ثم المسلّي ، ثم التالي ثم المرتاح ثم العاطف ثم الحظيّ ، ثم المؤمّل ، ثم اللطيم ، ثم السّكيت . قال الأصمعيّ وأبو عبيدة : لم نسمع في سوابق الخيل اسما لشيء منها ممّن يوثق بعلمه إلا الثاني واسمه المصلّي ، قال الأصمعي : هو من الصّلا وهو جانب ذنبه ، والعاشر واسمه السّكيت ، وما سواهما فإنما يسمى الثالث والرابع إلى التاسع . وكان عند المتقي العباسي فتى راوية للخبر والشعر يأنس به ، فقال ليلة لجلسائه : عودوا إلى ذكر الخيل ، فقال الفتى : يا أمير المؤمنين ، حدّثني كلاب بن حمزة العقيليّ : قال : كانت العرب ترسل خيلها أراسيل ، عشرة عشرة ، والقصب سبعة سبعة ، فلا يدخل الحجرة من الخيل إلا ثمانية : الأول السابق المجلي لأنه جلى عن وجه صاحبه الكرب . والثاني المصلّي لأنه وضع جحفلته على قطاة المجلّي ، وهو صلاه ، والصّلا عجب الذنب .
--> ( 1 ) الأبيات في ديوان الخنساء ص 138 .