أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
190
شرح مقامات الحريري
عكس لم ينتقض ، بل يكون كل مشبه بصاحبه مثل صاحبه ، ويكون صاحبه مشبها به صورة ومعنى ، كقول امرئ القيس : [ الطويل ] نظرت إليها والنجوم كأنّها * مصابيح رهبان تشبّ لقفّال « 1 » فتشبيه النجوم بالمصابيح لفرط ضيائها صحيح ، وتشبيه المصابيح بالنجوم صحيح ، وربما أشبه الشيء صورة ، وخالفه معنى . وقد تقدّم ذكر ذلك في الثانية ، وربما قاربه وداناه وشابهه مجازا لا حقيقة . وأدوات التشبيه كأنّ والكاف ومثل ، وتسقط الكاف مع المصدر فيشبّه بالمصدر ، وقد يشبّه بقولهم : تخاله وتحسبه ، فما كان منه صادقا قيل فيه « كأنه » أو كذا ، وما قارب الصدق قيل فيه : تراه أو تخاله ؛ فإذا حققت هذا الفصل انكشفت لك أسرار التشبيه ، وقد تقدّم نوع من التشبيه في الثانية ، وسيأتي في الأربعين تشبيهات الغريب العقم في حكاية الأصمعي . الاستعارة هي من العارية لأنّ الشاعر يعير المعنى ألفاظا غير لفظه الموضوع له ، وهي على ثلاثة أوجه : أحدهما يستعيره الشاعر من الألفاظ على سبيل التمثيل وتتميم المعاني ، وهذا الضرب يعدّ في البديع ومحاسن الشعر ، وهو كثير في كلامهم ، وعليه انبنى كتاب المقامات ، وقلّما يوجد بيت يخلو منه ، وما جاء منه في القرآن سماه بعضهم مجازا وأباه بعضهم ، نحو قوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الإسراء : 24 ] ، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء » « 2 » . وقال امرؤ القيس : [ الطويل ] * وليل كموج البحر أرخى سدوله « 3 » * وقال علقمة وهو بديع : [ البسيط ] * والصبح بالكوكب الدريّ منحور « 4 » *
--> ( 1 ) البيت في ديوان امرئ القيس ص 31 ، وخزانة الأدب 1 / 328 ، والدرر 4 / 13 ، وهو بلا نسبة في همع الهوامع 1 / 246 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في القيامة باب 56 ، وأحمد في المسند 1 / 165 ، 167 . ( 3 ) عجزه : عليّ بأنواع الهموم ليبتلي والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص 18 ، وخزانة الأدب 2 / 326 ، 3 / 271 ، وشرح شواهد المغني 2 / 574 ، 782 ، وشرح عمدة الحافظ ص 272 ، والمقاصد النحوية 3 / 338 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 3 / 75 ، وشرح الأشموني 2 / 300 ، وشرح شذور الذهب ص 415 . ( 4 ) صدره : أوردتهم وصدور العيس مسفة