أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
152
شرح مقامات الحريري
المقامة الثالثة والعشرون وهي الشّعريّة حكى الحارث بن همّام ، قال : نبا بي مألف الوطن ، في شرخ الزّمن ؛ لخطب خشي ، وخوف غشي ؛ فأرقت كأس الكرى ، ونصصت ركاب السّرى ، وجبت في سيري وعورا لم تدمّثها الخطا ، ولا اهتدت إليها القطا ؛ حتّى وردت حمى الخلافة ، والحرم العاصم من المخافة ، فسروت إيجاس الرّوع واستشعاره ، وتسربلت لباس الأمن وشعاره . وقصرت همّي على لذّة أجتنيها ، وملحة أجتليها . فبرزت يوما إلى الحريم لأروض طرفي ، وأجيل في طرقه طرفي ؛ فإذا فرسان متتالون ، ورجال منثالون ، وشيخ طويل اللّسان ، قصير الطّيلسان ، قد لبّب فتى جديد الشباب ، خلق الجلباب ؛ فركضت في إثر النّظارة ؛ حتّى وافينا باب الإمارة ، وهناك صاحب المعونة متربّعا في دسته ، ومروّعا بسمته . * * * قوله « نبا بي » أي قلق ولم يوافقني . الوطن : المنزل . ومألفه . موضع الاجتماع به والتأليف فيه . شرخ : أوّل ، أراد في أول زمانه وشبابه . خطب : أمر مخوّف . خشي : خيف . وغشي : نزل وغطّى . أرقت : هرقت ، وجعل للكرى وهو النوم كأسا مجازا ، وكنى بهرقها عن إزالة النوم عن عينه . نصصت : رفعت وحرّكت ركاب السرى : إبل السّير . جبت : قطعت . وعورا : طرقا صعبة . تدمثها : تسهّلها وتليّنها . الخطا هنا : الأقدام ، وقوائم الحيوان . والقطا : طائر وقد تقدم . وهدايتها : فيما زعموا أنها تترك فراخها بالصحراء ، وتذهب عند طلوع الشمس لطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة فما دونها ، فيردنه ضحوة يومهنّ فيحملن الماء لفراخهنّ فينهلنهن ثم يرجعن بعد الزوال إلى تلك المسافة ، فيشربن ويأتين فراخهنّ في عشية يومهنّ فيسقينهنّ عللا بعد نهل ، ولا يخطئن مواضع فراخهنّ ، فيقال لذلك : أهدى من القطا ، قال الشاعر : [ الطويل ]