أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
137
شرح مقامات الحريري
فأخرد ينظر فيما آلت حاله إليه ، وينتظر نصرة المبغيّ عليه . وجلنا نحن في شجون ، من جدّ ومجون ؛ إلى أن اعترض ذكر الكتابتين وفضلهما ، وتبيان أفضلهما ، فقال قائل : إن كتبة الإنشاء أنبل الكتّاب ؛ ومال مائل إلى تفضيل الحسّاب . واحتدّ الحجاج ، وامتدّ اللّجاج ؛ حتّى إذا لم يبق للجدال مطرح ، ولا للمراء مسرح ؛ قال الشيخ : لقد أكثرتم يا قوم اللّغط ، وأثرتم الصّواب والغلط ، وإنّ جليّة الحكم عندي ، فارتضوا بنقدي ، ولا تستفتوا أحدا بعدي . * * * قوله : أخرد : أي سكت ذلّا ، ويروى : خرد ، أي سكت حياء واستتر ، تقول : أخردت وخردت من حرّ الشمس . أي استترت ، وأقرد من لفظ القرد أو القراد ، وأخرد من لفظ الخريدة . آلت : رجعت . المبغيّ عليه أي المظلوم ، وأراد أن ينظر النّصرة على أعدائه ، من قوله تعالى : ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [ الحج : 60 ] جلنا : تصرّفنا . شجون : ضروب من الكلام ، ومنه : الحديث شجون ، أي فنون ، ومشتبك بعضه ببعض . وفي الحديث : « الرحم شجنة من اللّه » ، معناه القرابة مشتبك بعضها ببعض ، كاشتباك العروق . اعترض : تصلّب وظهر . الإنشاء : الكتابة . وكتبة الإنشاء هم كتبة بين يدي السلطان وهم المترسّلون . أنبل : أعظم قدرا . والحسّاب . كتبة الزمام . احتدّ : اشتدّ . والحجاج : المحاجّة واللجاج : ركوب الرجل على الباطل ، مطرح : موضع يطرح فيه . المراد قد تقدّم . آثرتم : فضلتم . جليّة : بيان . نقدي : تمييزي . * * * اعلموا أنّ صناعة الإنشاء أرفع ، وصناعة الحساب أنفع ، وقلم المكاتبة خاطب ، وقلم المحاسبة حاطب ، وأساطير البلاغة تنسخ لتدرس ، ودساتير الحسبانات تنسخ وتدرس . والمنشئ جهينة الأخبار ، وحقيبة الأسرار ، ونجيّ العظماء ، وكبير الندماء ، وقلمه لسان الدّولة ، وفارس الجولة ، ولقمان الحكمة ، وترجمان الهمّة . وهو البشير والنّذير ، والشّفيع والسّفير . به تستخلص الصّياصي ، وتملك النّواصي ، ويقتاد العاصي ، ويستدنى القاصي ، وصاحبه بريء من التّبعات ، آمن كيد السّعاة ، مقرّظ بين الجماعات ، غير معرّض لنظم الجماعات . * * * قوله : خاطب ، أي جامع للكلام . حاطب : جامع للحطب ، يريد أنّ المنشئ كالخطيب يختار من الكلام النفيس فيسرقه ، ولا يبالي كاتب الحساب بما كتب ، ويكون