أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

101

شرح مقامات الحريري

المقامة الحادية والعشرون وهي الرازيّة حدث الحارث بن همّام قال : عنيت مذ أحكمت تدبيري ، وعرفت قبيلي من دبيري ، بأن أصغي إلى العظات ، وألغي الكلم المحفظات ، لأتحلّى بمحاسن الأخلاق ، وأتخلّى ممّا يسم بالأخلاق . وما زلت آخذ نفسي بهذا الأدب ، وأخمد به جمرة الغضب ؛ حتى صار التّطبّع فيه طباعا ، والتّكلّف له هوى مطاعا . عنيت ، أي شغلت . أحكمت : أتقنت . قبيلي من دبيري ، أي ما أقبل عليه من أمري وما أدبر عنه . ابن الأنباري : ما يعرف قبيلا من دبير ، أي ما يعرف الإقبال من الإدبار ، أي ما يعرف ما أقبل به من القبل إلى الصدر ممّا أدبر عنه . وقيل : معناه : ما يعرف الشاة المقابلة من المدابرة ، والمقابلة التي شقّ أذنها إلى قدّام ، والمدابرة التي شق أذنها من مؤخّرها ، وترك ما قطع معلقا إلى خلف لا يبين . أصغي : أميل . العظات : هي المواعظ . ألغي : أترك . الكلم : جمع كلمة المحفظات : المغضبات . أتحلّى : أتزين وأتصف . وأتخلى : أزول وأتفرغ ، وتخليت من كذا : تركته . يسم : يجعل سمة . الإخلاق : العيوب وتمزيق العرض وأصله في الثوب . أخمد : أسكن . [ الطبع والتطبّع ] والتطبّع له في الطبيعة أثر ، وإن لم تذهب الطبيعة بالجملة ، لأنه اتفقت العرب والعجم على قولهم : الطبع أملك . وكان ملك من ملوك الفرس ، له وزير مجرّب حازم ، فكان يعرف اليمن في مشورته ، فهلك وقام ابنه بعده ، فلم يرفع به رأسا ، فذكر له مكانته من أبيه ، قال : كان أبي يغلط فيه ، وسأريكم ذلك فأحضره ، وقال له : أيّهما أغلب على الرجل ؟ الأدب أو الطبيعة ؟ فقال : الطبيعة لأنها أصل والأدب فرع ، وكلّ فرع يرجع إلى أصله . فدعا الملك بسفرة ، فوضعت ، وأقبلت سنانير بأيديها الشمع ، فوقفت حول السفرة ، فقال له : اعتبر خطأك وضعف مذهبك ، متى كان أبو هذه السنانير شمّاعا ؟ فقال له : أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة ، فقال : لك ذلك ، فخرج الوزير ، وأمر غلامه أن يسوق له فأرة فساقها حيّة فربطها بخيط وعقدها في سينيّة . فلما راح إلى الملك وضعها