أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

86

شرح مقامات الحريري

لم أدر قبل ترنجان عبثت به * أنّ الزّمرّد قضبان وأوراق من طيبه سرق الأترج نكهته * يا قوم حتّى من الأشجار سرّاق ! كأنما الحاجب المنصور علّمه * فعل الجميل فطابت منه أخلاق من ليس يقعده عن سؤدد كرم * ولا يقول له في سوأة ساق وله أيضا : [ الوافر ] بعثت إليك من خيري داري * محزمة كألوان العقيق توكّل بالعكوف على التّصابي * وتصطاد الخليع من الطريق * * * فحار الحاضرون لبداهته ، واعترفوا بنزاهته . فلمّا آنس استئناسهم بكلامه ، وانصبابهم إلى شعب إكرامه ، أطرق كطرفة العين ، ثم قال : ودونكم بيتين آخرين ، وأنشد : [ البسيط ] وأقبلت يوم جدّ البين في حلل * سود تعضّ بنان النّادم الحصر فلاح ليل على صبح أقلّهما * غصن وضرّست البلّور بالدّرر فحينئذ استسنى القوم قيمته ، واستغزروا ديمته ، وأجملوا عشرته ، وجمّلوا قشرته * * * قوله : « لبداهته » ، أي لارتجاله وإنشاده من غير فكرة ، ويقال : بدهه بدها وبديهة وبداهة ، إذا فجأه . وبده في كلامه : إذا لم يتفكّر فيه ، وفلان حسن البديهة والبداهة ، أي الارتجال . [ سرعة البديهة وما قيل فيها ] والقول من غير تفكّر وهو عندهم مما يمدح به ، وإن كانت الإصابة غالبا في الرويّة وإطالة الفكرة ، كما قال عبد اللّه بن وهب الراسبيّ للخوارج حين عقدوا له : دعوا الرأي حتى يختمر ، فلا خير في الرأي الفطير ، والقول القصير . وقال المنصور لكاتبه : لا تبرم أمرا حتى تفكّر ، فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسنه من قبيحة . وقال أيضا : الحكمة نور الفكرة ، والصواب فرع الرويّة ، والتدبير فرع الهمة . قال ابن الروميّ : [ البسيط ] نار الرويّة نار جدّ منضجة * وللبديهة نار ذات تلويح