أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
87
شرح مقامات الحريري
وقد يفضّلها قوم لعاجلها * لكنّه عاجل يمضي مع الريح وقال أشجع في جعفر بن يحيى : [ المتقارب ] يريد الملوك مدى جعفر * ولا يصنعون كما يصنع وليس بأوسعهم في الغنى * ولكنّ معروفه أوسع بداهته مثل تفكيره * متى تلقه فهو مستجمع وقال فيه : [ الوافر ] بديهته وفكرته سواء * إذا التبست على النّاس الأمور وقال إبراهيم بن العبّاس الصوليّ في الفضل بن سهل : [ الكامل ] يقضي الأمور على بديهته * وتريه فكرته عواقبه فيظلّ يوردها ويصدرها * فلنعم حاضره وغائبه ودخل المأمون يوما بعض دواوينه ، فرأى غلاما جميل الصورة ، على أذنه قلم فقال : من أنت يا غلام ؟ فقال : أنا يا أمير المؤمنين الناشئ في دولتك ، والمتقلب في نعمتك ، والمؤمّل بخدمتك ؛ الحسن بن رجاء خادمك . فقال المأمون : أحسنت يا غلام ، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول . ثم أمر أن ترفع مرتبته في الديوان . * * * قوله : « بنزاهته » أي برفعته وبعده من التّهمة بسرقة الشعر . آنس : أبصر استئناسهم : أنسهم وتركهم الإنكار . طرفة : نظرة ، قد طرف طرفا ، إذا حرّك جفنيه بعد النظر . دونكم : إغراء ، ومعناه خذوا حذركم واسمعوا . جدّ : تحقّق . البين : الفراق . بنان : أصابع . الحصر : المنقطع عن الكلام عيّا . ليل ؛ أراد به نقابا أسود . صبح : وجه . أقلّهما : رفعهما . غصن : قد . ضرّست البلّور : الأصابع . الدرر : الأسنان . والظاهر من سياق هذين البيتين أنه قصد أن يزيدهم استئناسا بأنه غير مدّع في الشعر ، ودلّ على هذا ظاهر الكلام قبل البيتين وبعدهما ، وهو قد أدرج معنى زائدا في البيت ولم يصرح به لما عليه في ذلك من التقصير عن درجة غيره ، وذلك أنه لمّا لم يستوف مقابلة بيت أبي الفرج مرّة ببيتيه المتقدمين ، استوفاها في هذا البيت الثاني ، لأنه قابل « أمطرت » بساقطت ، واللؤلؤ باللؤلؤ ، والنرجس بالخاتم ، وهما العين والفم ، وحمرة الخد بسنا القمر ، وبقي عليه زائد من قول أبي الفرج : « وعضت على العنّاب بالبرد » فقابله في هذا البيت بقوله : « وضرّست البلور بالدرر ، وجعلها تعضّ على أصابعها وهي بيض ، لأنه يصف امرأة شعرت بفراق أحبابها ، فتركت الزينة واستعمال الحنّاء ، فلمّا حان وقت فراقهم ، لبست ثياب الحزن ، وأقبلت تودّعهم تلهّفا وتندّما على فراقهم ، ووصف الأصابع