أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
82
شرح مقامات الحريري
فزحزحت شفقا غشّى سنا قمر * وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر * * * قوله : « لمح البصر » ، يعني نظر العين إلى الشيء بسرعة ثم تغيب عنه بسرعة ، وأصل البصر الإدراك بالعين . أغرب : أتى بغريب . نضو : كشف . القاني : الأحمر . إيداع سمعي : إعطاء أذني ، كأنه جعله وديعة عنده . زحزحت : أزالت . الشفق : حمرة الشمس بعد الغروب . غشّى : غطّى . سنا : ضوء . عطر : فوّاح طيّب التنفس . وبيت الحريريّ في صنعة البديع فائق ، وإن لم يأت بعدد تشبيهات بيت أبي الفرج ، وبيانه أن أبا الفرج يصف امرأة باكية ، فيقول : إنها نثرت دموعها على من قتلت من عشاقها ، فسقطت على خدّها فبلّلته ، وعضّت على أصابعها المصبوغة بالحنّاء بأسنانها ، فجعل البيت كلّه استعارة ، فقال : « فأمطرت لؤلؤا » ، وهو يريد : بكت دمعا ، وذكر نرجسا ووردا ، وهو يريد عينا وخدّا ، وذكر عنّابا وبردا ، وهو يريد أنامل وأسنانا ، فضمّن تحت ألفاظه هذه المعاني ، وزاد فائدة التشبيه ؛ وهذا يفعله أهل القدرة على الشعر ، فقابل الحريريّ هذا بقوله : « فزحزحت شفقا » ، وهو يرى نقابا أحمر ، وذكر « سنا قمر » وهو يريد ضوء وجهها ، وذكر لؤلؤا من خاتم ، وهو يريد كلاما من فم . والبيت الثاني في مقابلة بيت أبي الفرج ، والأول توطئة له ، وهو يصف امرأة زارته متنقّبة فسألها ، أن تكشف عن وجهها وتحدّثه ، فأزالت نقابها ، وأسمعته كلاما حسنا من فم عطر . [ ما قيل في اللؤلؤ ] واللؤلؤ تشبّه به الأسنان في مثل قوله : [ السريع ] * كأنما يبسم عن لؤلؤ « 1 » * وقوله : [ البسيط ] * يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد * ويشبّه به الكلام في مثل قول البحتريّ : [ الكامل ] * ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه « 2 » *
--> ( 1 ) عجزه : منضّد أو برد أو أقاخ والبيت بلا نسبة في تاج العروس ( ظلم ) . ( 2 ) صدره : فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها والبيت في ديوان البحتري ص 1230 ، وتاج العروس ( سقط ) ، وكتاب الصناعتين ص 208 .