أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
71
شرح مقامات الحريري
أأشكو نداه بعد أن وسع الورى * ومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم ! وله أيضا في انتقاض صلح بين عشيرته : [ الوافر ] إذا ما الجرح رمّ على فساد * تبيّن فيه تفريط الطّبيب « 1 » وللسّهم السّديد أشد حبّا * إلى الرامي من السهم المصيب ومن جيّد شعره : [ الطويل ] ولما التقينا واللّوى موعد لنا * تبيّن رائي الدرّ حسنا ولا قطه « 2 » فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها * ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه والبحتريّ مكثر جدّا ، وديوان شعره نسخ مختلفا بالزيادة والنقص ؛ لأن شعره لا ينضبط لكثرته . [ وصية أبي تمام للبحتري ] قال البحتريّ : كنت أروم الشعر في حداثتي ، وكنت أرجع فيه إلى الطبع ، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضائه ، حتى قصدت أبا تمّام ، وانقطعت فيه إليه ، واتّكلت في تعريفه عليه ، فكان أوّل ما قال لي : يا أبا عبادة ، تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم ، صفر من الغموم . واعلم أنّ العادة جرت في الأوقات أن يقصدها الإنسان لتأليف الشيء ، أو حفظه في وقت السّحر ، وذلك أن النفس تكون قد أخذت بحظها في الراحة ، وقسطها من النوم ، فإن أردت التشبيب ، فاجعل اللفظ رقيقا ، والمعني رشيقا ، وأكثر فيه بيان الصّبابة ، وتوجع الكآبة ، وقلق الأشواق ، ولوعة الفراق ؛ فإذا أخذت في مدح سيّد [ ذي أياد ] ، فأشهر مناقبه ، وأظهر مناسبه ، وابن معالمه ، وشرّف مقامه ، ونضّد المعاني ، واحذر المحتمل منها . وإيّاك أن تشين شعرك بالألفاظ الهجينة ، وكن كأنك خيّاط تقطع الثياب على مقادير الأجسام ، وإذا عارضك الضّجر فأرح نفسك ، ولا تعمل شعرا إلا وأنت فارغ القلب . واجعل شهوتك إلى قول الشعر الذّريعة إلى حسن نظمه ، فإن الشهوة تجمع النفس . وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سبق من شعر الماضين ، فما استحسن العلماء فاقصده ، وما تركوه فاجتنبه ؛ ترشد إن شاء اللّه تعالى . قال : فأعملت نفسي فيما قال ، فوقفت على السياسة . * * * فقال : هل عثرت له فيما لمحته ، على بديع استملحته ؟ قال : نعم ، قوله : [ السريع ] كأنّما يبسم عن لؤلؤ * منضّد أو برد أو أقاح « 3 »
--> ( 1 ) ديوان البحتري ص 190 . ( 2 ) ديوان البحتري ص 1230 . ( 3 ) البيت بلا نسبة في تاج العروس ( ظلم ) .