أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

32

شرح مقامات الحريري

وأرجو ألّا أكون في هذا الهذر الذي أوردته ، والمورد الذي تورّدته ، كالباحث عن حتفه بظلفه ، والجادع مارن أنفه بكفّه ، فألحق بالأخسرين أعمالا الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا . * * * قوله : « الهذر الذي أوردته » أي الإكثار الذي أتيت به ، وقد تقدّم المورد وتوردته : اقتحمته . الباحث : المفتش ، والظّلف : للبقر والغنم كالحافر للخيل والحمير . وهذا مثل للعرب ؛ وذلك أن ما عزة كانت لقوم ، فأرادوا ذبحها فلم يجدوا شفرة ، فنبشت بظلفها في الأرض ، فاستخرجت منها شفرة ، فذبحوها بها ، وقالوا : بحثت عن حتفها بظلفها ، فسارت مثلا . وقال الشاعر : [ الطويل ] وكانت كعنز السوء قامت بظلفها * إلى مدية تحت الثّرى تستثيرها « 1 » وقال أبو الأسود : [ المتقارب ] فلا تك مثل التي استخرجت * بأظلافها مدية أو بفيها « 2 » فقام إليها بها ذابح * ومن يدع يوما شعوبا يجيها ولفظ المثل عند أبي عبيد « كالعنز تبحث عن المدية » والجادع : القاطع الأنف . والمارن : طرف الأنف ، وأراد به قصيرا مولى جذيمة الأبرش . وقد ذكرنا قصته في شرح الرابعة والعشرين . ورجا المصنف ألا يدركه من الضرر ما أدركا من الضّرر حين جنيا على أنفسهما وانتفع غيرهما ، ضلّ سعيهم : خابت أعمالهم ، وأصل ضلّ ، تحيّر فلم يدر أين يتوجّه ، وأصل السعي المشي بسرعة ، سمع أعرابيّ رجلا يقرأ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا [ الكهف : 103 ] ، فقال : أنا أعرفهم ، قيل له : ومن هم ؟ قال : الذين يبرّدون ويأكل غيرهم . * * * على أنّي وإن أغمض لي الفطن المتغابي ، ونضح عنّي المحبّ المحابي ، لا أكاد أخلص من غمر جاهل أو ذي غمر متجاهل ، يضع منّي لهذا الوضع ويندّد بأنّه من مناهي الشّرع . ومن نقد الأشياء بعين المعقول ، وأنعم النّظر في مبانيّ الأصول ، نظم هذه المقامات ، في سلك الإفادات وسلكها مسلك الموضوعات ، عن العجماوات والجمادات . * * *

--> ( 1 ) البيت للفرزدق في ديوانه ص 71 . ( 2 ) البيتان في ديوان أبي الأسود الدؤلي ص 22 .