أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
33
شرح مقامات الحريري
أغمض : سامح وسد عينيه عمّا لم يرض ، والفطن : الذكي . التغابي : المتجاهل عن الشيء وهو عارف به ، وهو مما يحمد به الرجل ، قال حبيب : [ الكامل ] ليس الغبيّ بسيّد في قومه * لكنّ سيّد قومه المتغابي « 1 » ونضح بالماء : غسل . المحابي : الذي يفضّلني على غيري ، وحباني : اختصني بالعطية ، وأصل حاباه أن تعطيه ويعطيك ، وقد يكون في معنى « حباه » . الغمر : الجاهل ذي غمر : صاحب عداوة . متجاهل : مستعمل للجهل وهو على خلافه ؛ يقول ؛ إن سدّ عينيه عن عيبي فطن ذو عقل ، أو تغابى حين يبصر لي خطأ ، أو رأى لي ذلك العيب محبّ ، فجعل يغسله عنيّ لمحبته لكلامي ؛ فلا أخلص مع ذلك إما من جاهل يعيب ما لا يفهم ، أو من عارف يظهر لي عداوة وحسدا ، فيردّ حسني قبيحا ، وهو عارف بحسني ؛ فيشيع في الناس أن المقامات أكاذيب ، وهو عارف بفضلها وما قصد بها . [ ما قيل في الحقد ] والغمر : الحقد ، وصاحبه مذموم ، ولا أعرف من تعرّض من الفصحاء لمدح حامله سوى ما يحكى أن عبد الملك بن صالح جيء به إلى الرشيد في قيوده ، فقال له ابن خالد - وأراد أن يبكّته : بلغني أنك حقود ، فقال عبد الملك : أيها الوزير ، إن كان الحقد هو بقاء الخير والشر ؛ إنهما لباقيان في صدري - وفي رواية أخرى : إنما صدري خزانة تحفظ ما استودعت من خير أو شرّ - فقال الرشيد : واللّه ما رأيت أحدا احتجّ للحقد بمثل ما احتجّ به عبد الملك ، ففتح الباب لابن الروميّ ، فقال يخاطب بعض من عابه بالحقد : [ الطويل ] لئن كنت في حفظي لما أنا مودع * من الخير والشرّ انتحيت على عرضي لما عبتني إلّا بفضل أمانة * وربّ امرئ يزري على خلق محض ولولا الحقود المستكنّات لم يكن * لينقض وترا آخر الدّهر ذو نقض وما الحقد إلّا توأم الشّكر في الفتى * وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض فحيث ترى حقدا على ذي إساءة * فثمّ ترى شكرا على حسن العوض ثم رجع إلى الطريقة المثلى ، فانتحل المذهب الأعلى ، وقال يعيبه ، ضاربا بسهم البلاغة في الوجهين : [ البسيط ] يا مادح الحقد محتالا له شبها * لقد سلكت إليه مسلكا وعثا يا دافن الحقد في ضعفي جوانحه * ساء الدّفين الذي أضحت له جدثا الحقد داء دويّ لا دواء له * يري الصدور إذا ما جمره حرثا
--> ( 1 ) البيت في ديوان أبي تمام ص 154 .