أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

22

شرح مقامات الحريري

فأشار من إشارته حكم ، وطاعته غنم ، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع وإن لم يدرك الظالع شأو الضّليع ، فذاكرته بما قيل فيمن ألّف بين كلمتين ، ونظم بيتا أو بيتين ، واستقلت من هذا المقام الذي فيه يحار الفهم ، ويفرط الوهم ويسبر غور العقل وتبين قيمة المرء في الفضل ، ويضطر صاحبه إلى أن يكون كحاطب ليل أو جالب رجل وخيل ، وقلّما سلم مكثار ، أو أقيل له عثار . * * * غنم : غنيمة وحكى الفنجديهي في شرحه للمقامات : أن الذي أشار عليه بها هو شرف الدين أنوشروان بن خالد وزير الخليفة ، أمره بإنشاء المقامات وحكم عليه بها . وقيل : أمره به صاحب البصرة وواليها ، وقال : سمعت الشيخ الثقة أبا بكر عبد اللّه بن محمد بن أحمد بن النقور البزار ببغداد يقول ؛ سمعت الشيخ الرئيس أبا محمد الحريري يقول : أبو زيد السّروجيّ كان شحاذا بليغا ، ومكديا فصيحا ، ورد علينا البصرة ، فوقف يوما في مسجد بني حرام يتكلم ، ويسأل شيئا ، وكان بعض الولاة حاضرا ، والمسجد غاص بالفضلاء فأعجبهم بفصاحته ، وحسن صناعته وملاحته ، وذكر أسر الروم ابنته ، كما ذكرنا في المقامة الحرامية وهي الثامنة والأربعون ، قال : فاجتمع عندي عشية ذلك اليوم جماعة من المعارف فضلاء البصرة وعلمائها ، فحكيت لهم ما شاهدت من ذلك السائل وسمعت من لطافة عبارته في تحصيل مراده ، وطرافة إشارته في تسهيل إيراده ؛ فحكى كلّ واحد من جلسائي أنه شاهد من هذا السائل في مسجده مثل ما شاهدت ، وإنه سمع منه معنى آخر فصلا أحسن مما سمعت ، وكان يغير في كل مسجد زيه وشكله ، ويظهر في فنون احتياله ، فعجبوا من جريانه في ميدانه ، وافتنانه في إحسانه ؛ قال الحريري ؛ فابتدأت في إنشاء المقامة الحرامية تلك الليلة ، حاذيا حذوه فلما فرغت منها أقرأتها جماعة من الأعيان ، فاستحسنوها غاية الاستحسان ، وأنهوا ذلك إلى وزير السلطان ، واقترحوا عليّ أخواتها ، واللّه المستعان . وهذا الذي ذكر الفنجديهي قد حدثني بنحوه من يوثق به من الطلبة ، بسند يتصل بأبي محمد الحريري ، وإن الحريري وفد مع أهل البصرة بغداد ، فوجدوا بواسط أبا زيد السروجي فقال : يا أهل البصرة أنتم تزعمون أنكم لا تكادون ولا تخدعون ، وقد واللّه مشيت على مساجدكم ومحاضركم ، فما تعذر عليّ فيها موضع لم أجلب منافع أهله بضروب من المكر ، فلما بلغوا بغداد أخبروا بالقصة وزير السلطان ، فأمر الحريري بجمع المقامات . لكن الذي ثبت عندنا هو ما حدثني به الشيخ الفقيه أبو بكر بن أزهر أن الفقيه الراوية أبا القاسم بن جهور ، حدثه أن الحريري حدثه أن قصة المقامة الثامنة والأربعين