أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

23

شرح مقامات الحريري

حق ، وأن رجلا قام بمسجد بني حرام فأظهر التوبة من ذنبه ، وسأل عن الوجه في كفّارته فقام رجل من بين الناس ، فذكر أسر ابنته ، فنظم الحريري القصة وجعلها مقامة ، وأنها أول مقامة أثبتت في الكتاب وكان ابن جهور يقول : إن الذي أشار إليه بها في قوله : « فأشار من إشارته حكم » هو المستظهر باللّه العباسي ، وكان لهذا المستظهر رغبة في الطلب ، وحظ من الأديب ، وعناية بأهل العلم . وحدث ابن جهور أنه دخل بغداد في أيامه وبها ألف رجل وخمسمائة رجل حامل علم ، وكلهم قد أثبت أسماءهم السلطان في الديوان ، وأجرى على كلّ واحد من المال بقدر حظّه من العلم ، وكان ابن جهور يحدث أن الحريري ألّف المقامات كلها على الرّكاب ، وذلك أن المستظهر باللّه لما أمره بصنعتها ، أخرج كالحافظ على العمال ، فكان يخرج في الأبردين يتمشى في ضفتي دجلة والفرات ، ويصقل خاطره بنظر الخضرة والمياه فلم ينقض فصل العمل إلا وقد اجتمع له مائتا مقامة فخلّص منها خمسين وأتلف البواقي ، وصدر الكتاب ، ورفعه إلى السلطان فبلغ عنده أسنى المراتب . قوله : « فذاكرته بما قيل فيمن ألف بين كلمتين ونظم بيتا أو بيتين » ، قال عمرو بن العلاء : الإنسان في فسحة من عقله ، وفي سلامة من أفواه الناس ، ما لم يضع كتابا أو يقل شعرا . وقال العتابيّ : من صنع كتابا فقد استشرف للمدح والذم ، فإن أحسن فقد استهدف للحسد والغيبة ، وإن أساء فقد تعرّض للشتم بكل لسان . غيره : من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس . وقال حسان : [ البسيط ] وإنما الشّعر عقل المرء يعرضه * على البريّة إن كيسا وإن حمقا « 1 » وإن أحسن بيت أنت قائله * بيت يقال إذا أنشدته صدقا واستقلت : طلبت الإقالة . المقام : موضع القدمين وأنت قائم . يحار : يتحير : يفرط : يسبق . الوهم : الغلط . يسبر غور العقل ، يختبر قدره ومنتهاه ، وأصله في الجراحات يختبر غورها ، أي بعد قعرها . والمسبار : الحديدة التي يقاس بها مقدار غور الجراحة وسبرها : قاسها به ، يفعل ذلك الدبيب للقصاص أو للدواء . ويقال لحديدته : السّبار والمسبار والمسبر والمكحل والميل والمرود والمجراف . تبين : تتبيّن ، يضطر : يلجأ . حاطب ليل : جامع الحطب بالظلام ، وهذا مثل لأكثم ابن صيفي حكيم العرب ، ذكره أبو عبيد في الأمثال وقال : إنما شبّهه بخاطب الليل لأنه ربما نهشته الحية أو لسعته العقرب في احتطابه ليلا ، فكذلك المهذار ربما أصابه في إكثاره بعض ما يكره ، وقال الفرزدق : [ الطويل ]

--> ( 1 ) البيت في ديوان حسان بن ثابت ص 292 .