أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

109

شرح مقامات الحريري

الحجّاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنّا نرى له به فضلا ، وكان اللّه قد أطلع أمير المؤمنين من غلّه وغشّه على ما خفي عنّا ؛ فلما أراد فضيحته أجرى ذلك على يد أمير المؤمنين فالعنوه لعنة اللّه . ثم نزل . ومرّ غيلان بن خرشة الضّبّي مع عبد اللّه بن عامر بنهر أم عبد اللّه الذي يشقّ البصرة ، فقال عبد اللّه : ما أصلح هذا النّهر لأهل هذا المصر ! فقال غيلان : أجل واللّه أيّها الأمير ؛ يتعلّم العوم فيه صبيانهم ، ويكون لسقائهم ولسيل مياههم ، ويأتيهم بميرتهم ؛ ثم عاد ابن عامر فساير زيادا عليه ، فقال زياد : ما أضرّ هذا النهر لأهل هذا المصر ! فقال : أجل واللّه أيّها الأمير ، تنزّ منه دورهم ، ويغرق فيه صبيانهم ، ويكثر لأجله بعوضهم . ومدح الجاحظ العروض ، فقال : هو ميزان الشّعر ومعياره ، به يعرف الصحيح من السقيم ، والعليل من السليم ، وعليه مدار القريض والشعر ، وبه يسلم من الأود والكسر . ثم ذمّه فقال : هو علم مولّد ، وأدب مستبرد ، ومذهب مرفوض ، تستنكره العقول ، مستفعلن فعول ، من غيره فائدة ولا محصول . وكان العباس بن عليّ عمّ المنصور يأخذ الكأس بيده ، ثم يقول : أمّا النفس فتسمحين ، وأما الهمّ فتطردين ، أفتراك منّي تفلتين ! ثم يشربها . وشكا أبو العنياء حاله إلى عبد اللّه بن سليمان ، فقال : أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر ! قال : كتبت إلى رجل قد حصر من همّته طول الفقر ، وذلّ الأسر ، ومعاناة محن الدهر ، فأخففت في طلبتي . قال : أنت اخترته ، قال : وما علمي أعزّ اللّه الأمير في ذلك ! قد اختار موسى قومه سبعين رجلا وما كان منهم رشيد ، واختار رسول صلى اللّه عليه وسلم ابن أبي سرّح كاتبا فرجع إلى المشركين مرتدّا ، واختار عليّ رضي اللّه عنه أبا موسى حكما ، فحكم عليه . * * * قال الحارث بن همّام : فناجاني قلبي بأنّه أبو زيد ، وأنّ تعارجه لكيد . فاستعدته وقلت له : قد عرفت بوشيك ، فاستقم في مشيك . فقال : إن كنت ابن همّام ، فحيّيت بإكرام ، وحييت بين كرام . فقلت : أنا الحارث ، فكيف حالك والحوادث ؟ فقال : أتقلّب في الحالين : بؤس ورخاء ، وأنقلب مع الرّيحين : زعزع ورخاء . فقلت : كيف ادّعيت القزل ، وما مثلك من هزل ! فاستسرّ بشره الّذي كان تجلّى ، ثم أنشد حين ولّى : [ المتقارب ] تعارجت لا رغبة في العرج * ولكن لأقرع باب الفرج وألقي حبلي على غاربي * وأسلك مسلك من قد مرج